التبتل بين الزوجين: لماذا نهى النبي عنه؟ شرح شرعي وتفصيل للحكم

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”. (رواه البخاري ومسلم)

ما هو التبتل؟

التبتل في اللغة: هو الانقطاع عن الشيء والانفراد عنه. وفي الاصطلاح الشرعي: هو ترك الزواج والانقطاع عن النساء للتعبد، على سبيل التشدد في العبادة وترك مباحات الحياة من طعام وشراب ونكاح.

وقد ورد النهي الصريح عن التبتل في الإسلام، حيث يعتبر من الغلو والتشدد المنهي عنه، وهو من خصائص الرهبانية التي لم يفرضها الله على النصارى بل ابتدعوها بأنفسهم.

التبتل المحمود والتبتل المذموم

من المهم التفريق بين نوعين من التبتل:

التبتل المذموم (المنهي عنه)

وهو ترك الزواج والتعبد لله بالرهبانية، بحيث ينقطع الإنسان عن النساء وعن ملذات الحياة المباحة من أجل العبادة. هذا النوع منهي عنه لعدة أسباب:

  • مخالفة فطرة الإنسان التي جعل الله فيها الميل للجنس الآخر
  • ترك سنة الأنبياء والمرسلين الذين تزوجوا وأنجبوا
  • التشبه بالرهبان النصارى الذين ابتدعوا الرهبانية
  • إضاعة حق الزوجة إن كان الرجل متزوجاً

التبتل المحمود (المشروع)

وهو الانقطاع للعبادة بالقلب مع أداء الواجبات الدنيوية، أي أن ينقطع القلب عن التعلق بغير الله مع القيام بالمسؤوليات الاجتماعية والزوجية. هذا النوع مطلوب وهو من علامات الإخلاص.

  • أن يكون القلب منقطعاً إلى الله مع أداء حقوق الزوجة
  • الانشغال بذكر الله في الأوقات المناسبة دون إهمال الحقوق
  • التفرغ المؤقت للعبادة كاعتكاف العشر الأواخر مع رعاية الحقوق

لماذا نهى النبي عن التبتل في العلاقة الزوجية؟

1. مخالفة الفطرة الإنسانية

خلق الله في الإنسان الغرائز الفطرية ومنها غريزة الزواج، والتبتل يناقض هذه الفطرة. قال تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً” (الروم: 21).

2. مخالفة سنة الأنبياء والمرسلين

كل الأنبياء تزوجوا ولم يعتزلوا النساء، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: “لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء”.

3. إهدار حقوق الزوجة

التبتل بين الزوجين يعني حرمان كل منهما من حقه الشرعي في المعاشرة الزوجية، وهذا مخالف لقول الله تعالى: “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ” (البقرة: 223).

4. الغلو والتشدد المذموم

الإسلام دين الوسطية والاعتدال، والتبتل من الغلو في الدين الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

5. التشبه بالرهبان النصارى

الرهبانية من ابتداع النصارى وليست من شرع الله، وقد ذمها الله في القرآن: “وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ” (الحديد: 27).

جدول مقارنة بين التبتل المذموم والانقطاع المشروع للعبادة

الوجه المقارنة التبتل المذموم (الرهبانية) الانقطاع المشروع للعبادة
الهدف ترك الدنيا والزواج للتعبد تزكية النفس مع أداء الحقوق
حكم الشريعة محرم ومنهي عنه مشروع ومطلوب
الموقف من الزواج تركه بالكلية أو الامتناع عن المعاشرة القيام بحقوقه مع تزكية القلب
النموذج رهبان النصارى المبتدعة أنبياء الله ورسله
النتيجة مخالفة السنة وإضاعة الحقوق الموازنة بين الدنيا والآخرة

التبتل المؤقت (الاعتكاف) المشروع

يجب التفريق بين التبتل المذموم والاعتكاف المشروع، فالاعتكاف هو:

  • لبث في المسجد لطاعة الله
  • مشروع للرجال والنساء
  • مؤقت وله وقت محدد
  • لا يعني ترك الحقوق الزوجية بالكلية
  • من السنن المؤكدة في رمضان

حقوق الزوجية التي يضيعها التبتل

  1. حق المعاشرة الزوجية: وهو من أهم الحقوق المتبادلة بين الزوجين
  2. حق العشرة بالمعروف: قال تعالى: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”
  3. حق الاستمتاع المباح: قال صلى الله عليه وسلم: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح”
  4. حق النسل والتكاثر: التبتل يعيق تحقيق مقصد النسل في الزواج

الخلاصة: التوازن سنة النبي صلى الله عليه وسلم

التبتل في العلاقة الزوجية هو سلوك مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، حيث جمع صلى الله عليه وسلم بين العبادة والعمل، وبين الصلاة والنوم، وبين الصيام والإفطار، وبين الزواج والتعبد.

الإسلام دين الفطرة والوسطية، لا يدعو إلى الرهبانية ولا إلى الإغراق في الشهوات، بل إلى التوازن بين حقوق الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الفرد والمجتمع.

فليحرص المسلم على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، وليعتدل في عبادته فلا يغلو ولا يقصر، وليؤد حقوق زوجته كما أمر الله ورسوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى