وثائق إبستين الجديدة: حقيقة الفيديوهات المزعومة عن ترامب والجزيرة (تحقيق كامل)

في زحمة الأخبار المتسارعة وتداخل الحقائق مع الشائعات، تبرز قضية جيفري إبستين كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ الحديث. مع الإفراج الأخير عن أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المرتبطة بإبستين من قبل وزارة العدل الأمريكية، عادت التكهنات والادعاءات حول تورط شخصيات بارزة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الواجهة بقوة. في هذا التحقيق، نرصد حقيقة ما ورد في هذه الوثائق عن ترامب والجزيرة الخاصة، ونميز بين ما هو مثبت وما هو مجرد إشاعة.

 

الإفراج عن الوثائق: لحظة تاريخية من الشفافية؟

 

في الثلاثين من يناير 2026، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن دفعة ضخمة من الوثائق المتعلقة بقضية إبستين، تضم أكثر من ثلاثة ملايين صفحة، بالإضافة إلى 2000 مقطع فيديو و180 ألف صورة . وصف نائب المدعي العام الأمريكي تود بلانش هذه الدفعة بأنها نهاية عمليات الإفراج المخطط لها في إطار قانون أقره الكونغرس في نوفمبر الماضي يلزم بنشر جميع الوثائق .

 

لكن هذا الكم الهائل من المعلومات لا يعني بالضرورة أن كل ما فيه صحيح أو مثبت. فقد حذرت وزارة العدل نفسها في بيان صحفي من أن “بعض الوثائق تحتوي على ادعاءات غير صحيحة ومثيرة ضد الرئيس ترامب تم تقديمها إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) قبل انتخابات 2020 مباشرة” . وأضاف البيان بشكل قاطع: “لنكون واضحين، هذه الادعاءات لا أساس لها وهي كاذبة، ولو كان بها أي ذرة من المصداقية، لكان تم استخدامها ضد الرئيس ترامب بالفعل” .

 

ترامب والوثائق الجديدة: مئات الإشارات ولكن…

 

رصدت الوثائق الجديدة مئات الإشارات إلى اسم ترامب، إلا أن غالبيتها كانت عبارة عن مجموعات من التقارير الإعلامية أو رسائل بريد إلكتروني داخلية للمحققين الفيدراليين . كشفت هذه الرسائل الداخلية، التي يعود تاريخها إلى أغسطس 2025، عن تحقيق في اتهامات فاحشة تتعلق بالرئيس وإبستين، لكنها لم تعط أي مؤشر على إثبات هذه الادعاءات. والأكثر دلالة، أن المحققين لاحظوا أن العديد من المشتكين لم يعتبروا ذوي مصداقية .

 

من بين الوثائق المثيرة للاهتمام، رسالة إلكترونية يعود تاريخها إلى عام 2012، تم حجب هوية مرسلها ومستقبلها، تقول: “ما رأي جيفري إبستين في الذهاب إلى مارالاغو بعد عيد الميلاد بدلاً من جزيرته؟” . هذه الرسالة تشير إلى استمرار التفكير في التواصل بين الرجلين بعد سنوات من التاريخ الذي يقول ترامب إن صداقتهما توقفت فيه.

 

كما تضمنت الملفات بريدًا إلكترونيًا يعود لعام 2002 من ميلانيا ترامب إلى غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين، حول مقال في مجلة نيويورك عن إبستين. كتبت ميلانيا: “قصة جميلة عن جيفري إبستين في مجلة نيويورك. تبدين رائعة في الصورة. اتصل بي عندما تعودين إلى نيويورك” .

 

فيديوهات الجزيرة المزعومة: كشف التزييف

 

مع كل دفعة جديدة من الوثائق، تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات تدّعي أنها تُظهر ترامب في جزيرة إبستين وهو يرتكب أفعالاً مشينة. لكن التحقيق في هذه الادعاءات يكشف زيفها بسرعة. موقع “Rumor Scanner” المتخصص في تدقيق الحقائق، كشف النقاب عن فيديو متداول على نطاق واسع زعم ناشروه أنه يظهر أطفالاً يصرخون في رعب عند رؤية ترامب في الجزيرة .

 

التحقيق كشف أن هذا الفيديو هو نتاج تعديل ومونتاج لفيلمين حقيقيين لا علاقة لهما بالقضية. المقطع الأول يصور ترامب وهو يزور فصلاً دراسيًا للأطفال في مدرسة دولية بولاية نيفادا في الخامس من أكتوبر 2016، خلال حملته الانتخابية، وهو فيديو نشرته قناة ABC News . أما المقطع الثاني فهو فيديو آخر يعود إلى عام 2018، ويظهر أطفالاً في روضة أطفال بولاية فلوريدا يصرعون عندما دخل عليهم شخص يرتدي زي أرنب عيد الفصح . هذا المونتاج المفبرك هو نموذج لكل الفيديوهات المماثلة التي لا تستند إلى أي حقيقة.

 

موقف ترامب: إنكار قاطع واتهامات مضادة

 

في خضم هذه العاصفة، خرج الرئيس ترامب بتصريحات حاسمة يوم الثاني من فبراير 2026 عبر منصته “تروث سوشيال”، نافياً بشكل قاطع أي علاقة له بإبستين أو زيارته لجزيرته الخاصة. كتب ترامب: “ليس فقط أنني لم أكن صديقًا لجيفري إبستين، ولكن بناءً على المعلومات التي صدرت للتو من وزارة العدل، فإن إبستين ومؤلفًا كاذبًا حقيرًا اسمه مايكل وولف تآمرا من أجل الإضرار بي و/أو برئاستي” .

 

وأضاف ترامب: “لم أذهب أبدًا إلى جزيرته الموبوءة”، متهمًا الديمقراطيين والمتبرعين لهم بخلق قصص مزيفة عن علاقاته بإبستين بينما هم أنفسهم كانوا على علاقات مع المدان الجنسي .

 

الخلاصة: بين الحقيقة والإثارة

 

تكشف وثائق إبستين الجديدة عن حقيقة معقدة: ترامب كان جزءًا من دائرة معارف إبستين الاجتماعية، وتبادل معه بعض المراسلات والزيارات في الماضي، وهذا ليس سرًا. لكن القفز من هذه الحقيقة إلى اتهامات بتورطه في جرائم الجزيرة هي قفزة لا تدعمها أي أدلة في هذه الوثائق.

 

وزارة العدل الأمريكية أكدت أن العديد من الادعاءات الموجهة ضد ترامب لا أساس لها من الصحة، وأن بعضها كان نتاج تآمر معروف. كما أن الفيديوهات المتداولة ثبت تزييفها بشكل قاطع.

 

في النهاية، تبقى قضية إبستين اختبارًا لوعي الجمهور وقدرته على تمييز الحقيقة من الإشاعة في عصر تختلط فيه المعلومات المضللة بالحقائق الثابتة، وتصبح فيه الفيديوهات المفبركة أداة في حروب سياسية لا تعرف الرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى