
في زمن تتصاعد فيه معدلات الإصابة بالزهايمر، ويبحث الملايين عن أمل حقيقي يوقف تدهور الذاكرة، تتجه أنظار العلم الحديث إلى نبات عشبي عريق كان يستخدم منذ آلاف السنين لتحسين الذهن وتقوية الحفظ. إنه إكليل الجبل، أو الروزماري، ذلك النبات العطري الذي يزين حدائق المنازل ويضاف إلى الأطباق لإضفاء نكهة مميزة، والذي كشفت أبحاث معهد سكريبس للأبحاث في الولايات المتحدة عن مركب مشتق منه قد يشكل ثورة في فهمنا لعلاج الزهايمر.
ففي دراسة نشرتها دورية Antioxidants العلمية المحكمة في مارس 2025، أعلن فريق بحثي بقيادة البروفيسور ستيوارت ليبتون عن تطوير مركب جديد أطلق عليه اسم diAcCA، وهو مشتق معدل من حمض الكارنوسيك الموجود بكثرة في إكليل الجبل والمريمية . المشكلة الأساسية في حمض الكارنوسيك الطبيعي هي قصر عمره الافتراضي، إذ يتفكك بسرعة قبل أن يتمكن من الوصول إلى الدماغ بتركيزات علاجية. لكن المركب الجديد تم تصميمه ليكون أكثر استقراراً، حيث يتحول في المعدة إلى حمض كارنوسيك نقي يدخل مجرى الدم بكفاءة أعلى بنسبة 20% مقارنة باستهلاك المركب الخام .
جرت التجارب على فئران معدلة وراثياً تظهر أعراضاً شبيهة بمرض الزهايمر البشري. على مدار ثلاثة أشهر من العلاج، أظهرت الفئران التي تلقت المركب تحسناً ملحوظاً في مهارات التعلم والذاكرة، وزيادة في كثافة الوصلات العصبية، وهي الروابط الأساسية بين الخلايا العصبية التي يفقدها مرضى الزهايمر بشكل تدريجي . يقول البروفيسور ليبتون في تصريح نقله موقع يورونيوز: “أجرينا اختبارات متعددة مختلفة للذاكرة، وكلها تحسنت مع المركب. لم يتم إبطاء التدهور فحسب، بل تحسنت الحالة تقريباً إلى المستوى الطبيعي” .
الأكثر إثارة في هذه النتائج هو آلية عمل المركب الذكية. فبدلاً من التأثير العشوائي على خلايا الدماغ، ينشط مركب diAcCA فقط في المناطق المصابة بالالتهاب، حيث يتحول إلى حمض الكارنوسيك ويؤدي وظيفته المضادة للأكسدة والمضادة للالتهابات، ثم يتفكك خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الساعة، تاركاً الأنسجة السليمة دون تأثير يُذكر . هذا الانتقائية في العمل تجعله مرشحاً واعداً لتجنب الآثار الجانبية التي تعاني منها كثير من العلاجات التقليدية.
إلى جانب تحسين الذاكرة، أظهرت التحليلات النسيجية أن المركب قلل بشكل كبير من تراكم بروتينات بيتا أميلويد وتاو، وهما العلامتان المرضيتان الرئيسيتان لمرض الزهايمر، كما خفف الالتهابات في الجهاز الهضمي أثناء تحوله إلى حمض الكارنوسيك . ونظراً لأن حمض الكارنوسيك مدرج ضمن قائمة المواد الآمنة لدى إدارة الغذاء والدواء الأميركية، يأمل العلماء أن يتم تسريع التجارب السريرية على البشر في المستقبل القريب .
الشاي الأخضر: درع الوقاية اليومي
بينما يمثل اكتشاف إكليل الجبل أملاً علاجياً مستقبلياً، هناك مشروب عشبي آخر متاح في كل منزل اليوم، وقد أظهرت الدراسات قدرته على لعب دور وقائي مهم ضد الزهايمر، إنه الشاي الأخضر. دراسة أجرتها جامعة ماكماستر الكندية ونشرت عام 2017 كشفت أن مركبات الشاي الأخضر تعمل على منع تشكل بروتين بيتا أميلويد، وهو البروتين السام الذي يعطل التواصل بين الخلايا العصبية ويتراكم على شكل لويحات في أدمغة مرضى الزهايمر .
هذه النتائج تتماشى مع اكتشافات أقدم، ففي عام 2004 نشر باحثو جامعة نيوكاسل البريطانية في مجلة بحوث العلاجات النباتية أن الاستهلاك المنتظم للشاي الأخضر والأسود يعيق نشاط إنزيم أسيتيل كولين إستيراز الذي يحطم مادة أسيتيل كولين الناقلة في الدماغ، وهي المادة المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، كما لاحظوا أن الشاي الأخضر يعيق نشاط إنزيم بيتا-سيكريتيز الذي يلعب دوراً رئيسياً في إنتاج الترسبات البروتينية . دام هذا الأثر في حالة الشاي الأخضر لأسبوع كامل على الأقل، بينما استمرت خصائص الشاي الأسود ليوم واحد فقط.
أقرأ ايضا: علامات الشيخوخة المبكرة
الكركم: الذهب الأصفر وصحة الدماغ
الكركم، ذلك المسحوق الأصفر الذي يزين مطابخنا، هو نجم آخر في سماء أبحاث الزهايمر. تشير مراجعات علمية إلى أن الكركمين، المادة الفعالة في الكركم، قد يلعب دوراً مهماً في إزالة الترسبات الناتجة عن تراكم بروتين بيتا أميلويد بين خلايا الدماغ. ولطالما ارتبط مرض الزهايمر أيضاً بالتهاب مزمن في الدماغ، والكركم معروف بخصائصه المضادة للالتهابات والنشاط المضاد للأكسدة . الاستهلاك اليومي المنتظم للكركم قد يكون وسيلة فعالة للمساعدة في الوقاية من ظهور المرض وتحسين الذاكرة.
الجنكة بيلوبا: بين الوعد العلمي والتحذير الطبي
لا يمكن الحديث عن الأعشاب والذاكرة دون ذكر شجرة الجنكة بيلوبا، تلك الكنز العريق الذي استخدم في الطب الصيني التقليدي منذ أكثر من ألفي عام. تحتوي أوراق الجنكة على مركبات الفلافونويد ذات الخصائص المضادة للأكسدة، والتربينويدات التي تساعد على تحسين الدورة الدموية عبر توسيع الأوعية الدموية وتقليل لزوجة الصفائح الدموية . مراجعة علمية نشرت عام 2022 في قاعدة بيانات PMC التابعة للمكتبة الوطنية الأمريكية للطب أكدت أن مستخلص الجنكة يمتلك تأثيرات وقائية عصبية متعددة، تشمل الحماية من التأكسد والالتهابات .
لكن التوصيات الطبية هنا تحتاج إلى قراءة دقيقة. فمؤسسة مايو كلينك، إحدى أعرق المؤسسات الطبية في العالم، تؤكد بوضوح أنه “لا توجد أدلة كافية لدعم جدوى استخدام الجنكة للوقاية من الخرف أو لعلاج الأشخاص المصابين بقصور إدراكي بسيط” . وتضيف أن معظم الدراسات تشير إلى أن الجنكة لا تحسن الذاكرة أو الانتباه أو وظائف الدماغ لدى البالغين الأصحاء. التحذير هنا واضح: مجرد احتواء النبات على مركبات نشطة بيولوجياً لا يعني بالضرورة فعاليته السريرية.
خلاصة: بين الأمل الواعد والواقع العلمي
ما تقدمه لنا الأبحاث العلمية اليوم هو أن مشروبات إكليل الجبل والشاي الأخضر والكركم تحمل إمكانات واعدة في دعم صحة الدماغ والذاكرة، بل وفي استهداف الآليات المرضية للزهايمر نفسها. مركب diAcCA المشتق من إكليل الجبل يقدم أملاً حقيقياً في علاج مستقبلي، والشاي الأخضر يقدم خياراً وقائياً متاحاً يومياً، والكركم يضيف بعداً آخر في مكافحة الالتهابات وترسبات الأميلويد.
لكن المبالغة في الوعود، كتلك التي تزعم “علاجاً خلال ليلة واحدة”، ليست فقط غير علمية، بل قد تكون خطيرة لأنها تخلق أملاً زائفاً وتصرف المرضى عن العلاجات الطبية المثبتة. الأبحاث الحالية تُجرى على مركبات معزولة بجرعات محددة في نماذج حيوانية، والطريق إلى تطوير دواء بشري معتمد طويل ومعقد. حتى ذلك الحين، تبقى هذه المشروبات خياراً صحياً ممتازاً ضمن نمط حياة متكامل، لا بديلاً عن التشخيص والمتابعة الطبية.





