
بعدما اغتال أربعة مسلحين مجهولين سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، مساء أمس الثلاثاء في منزله بمدينة الزنتان جنوب غرب طرابلس، انتشرت صورة مريبة على مواقع التواصل الاجتماعي لما قيل إنها جثته. فقد شارك عدد من الليبيين صورة خاطئة زعموا أنها تظهر جثة سيف الإسلام في شاحنة، فيما ظهر إلى جانب الشاحنة عنصر أمن رافعاً هاتفه المحمول لتصوير المشهد.
ولكن أكد مصدر مقرب من عائلة القذافي أن كل الصور التي نشرت عن سيف الإسلام غير صحيحة، وحذر من تصديق المحتوى المضلل الذي يهدف إلى استغلال حالة الغموض الأمني السائدة.
من جهتها، أعلنت النيابة العامة الليبية رسمياً عن نتائج الفحص الأولي لجثمان سيف الإسلام القذافي. وأوضح مكتب النائب العام أن فريقاً من المحققين والأطباء الشرعيين وخبراء الأسلحة والسموم والبصمات أنهى إجراءات المعاينة الفنية. وكشف البيان أن الفحص الدقيق أسفر عن إثباتات جنائية قاطعة تؤكد تعرض سيف الإسلام لأعيرة نارية أصابته في مناطق حيوية من جسده، مما أدى إلى وفاته فوراً، مستبعداً بذلك فرضيات التسميم أو الوفاة الطبيعية.
وبناءً على هذه النتائج، انتقل المحققون إلى المرحلة الثانية من البحث الجنائي، التي تركز على جمع أدلة الدعوى وتعيين دائرة المشتبه بهم. وأكد مكتب النائب العام أن السلطات تعمل حالياً على استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لتحريك الدعوى العمومية، وضمان ملاحقة المتورطين في عملية الاغتيال وتقديمهم للعدالة بناءً على الأدلة العلمية التي تم توثيقها.
سيف الإسلام، الذي تحول من كونه وريثاً محتملاً لوالده معمر القذافي سيئ السمعة إلى شخص قضى نحو عشر سنوات رهن الاحتجاز والتواري عن الأنظار داخل بلدة جبلية نائية، أعلن ترشحه للرئاسة في خطوة ساهمت في تعقيد المحاولات لإجراء الانتخابات. فقد كان يُنظر إليه في وقت ما، رغم أنه لم يشغل أي منصب رسمي، على أنه أقوى شخصية في ليبيا الغنية بالنفط بعد والده الذي حكم البلاد لأكثر من أربعين عاماً.
عمل سابقاً على وضع سياسات ليبيا، وتوسط في مهام دبلوماسية حساسة وذات أهمية كبيرة. كما قاد محادثات بشأن تخلي البلاد عن أسلحة الدمار الشامل، وتفاوض على دفع تعويضات لعائلات القتلى الذين سقطوا في تفجير طائرة “بان أميركان” الرحلة 103 فوق لوكربي في اسكتلندا عام 1988. كذلك تحاور بهدف التخلص من صفة “الدولة المنبوذة” التي لاحقت ليبيا، مع الغرب وطرح نفسه بوصفه مُصلحاً، ودعا إلى وضع دستور واحترام حقوق الإنسان.
سيف الإسلام الذي تلقى تعليمه في كلية لندن للاقتصاد، وكان يتحدث الإنجليزية بطلاقة، نظرت إليه حكومات كثيرة في وقت من الأوقات بوصفه الشخصية المقبولة والمقربة من الغرب في ليبيا. لكن عندما اندلعت الانتفاضة ضد حكم القذافي عام 2011، اختار سيف الإسلام على الفور الولاء للعائلة والعشيرة، ليصبح أحد مدبري حملة قمع وحشية على المعارضين، ووصفهم بأنهم فئران.
في حديثه إلى رويترز وقت الثورة، قال “نحن نقاتل هنا في ليبيا وسنموت هنا”. وحذر من أن أنهاراً من الدماء ستسيل، وأن الحكومة ستقاتل حتى سقوط آخر رجل وامرأة وآخر طلقة. كما قال أيضاً “سيتم حرق وتدمير كل شيء في ليبيا، وسنحتاج إلى أربعين سنة أخرى حتى نتفق على إدارة هذه البلاد، لأن كل واحد منا الآن سينصب نفسه رئيساً، وسيجعل من منطقته دولة”.
بعد سيطرة المعارضة على العاصمة طرابلس، حاول سيف الإسلام الفرار إلى النيجر المجاورة متنكراً بزيّ بدوي. لكن كتيبة أبو بكر الصديق، وهي جماعة مسلحة، ألقت القبض عليه في طريق صحراوي، ونقلته جواً إلى مدينة الزنتان في غرب البلاد، وذلك بعد نحو شهر من مطاردة المعارضة لوالده وإعدامه ميدانياً بالرصاص. سُمع حينها يقول في تسجيل صوتي بينما كان مئات الرجال يحيطون بطائرة قديمة تابعة لسلاح الجو الليبي “سأبقى هنا.. سيفرغون بنادقهم في لحظة خروجي”. هذا وتعرض سيف الإسلام للخيانة من قبل أحد أفراد العشائر الليبية، الذي سلمه إلى المعارضة.
بعدها قضى سيف الإسلام السنوات الست التالية محتجزاً في الزنتان بعيداً كل البعد عن حياة الترف التي عاشها في عهد والده، حين كان يقتني نموراً أليفة ويصطاد بالصقور ويخالط أوساط المجتمع البريطاني الراقي خلال رحلاته إلى لندن. ثم في عام 2015، حكمت عليه محكمة في طرابلس بالإعدام رمياً بالرصاص بتهمة ارتكاب جرائم حرب. علماً أن سيف الإسلام كان مطلوباً أيضاً لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهم ارتكاب جرائم حرب. وأصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحقه بتهمة “القتل والاضطهاد”.
لكن عام 2017 أطلق سراحه بموجب قانون عفو، فظل متوارياً عن الأنظار في الزنتان لسنوات خوفاً من اغتياله. قبل أن يظهر عام 2021 في مدينة سبها في جنوب ليبيا وهو يرتدي الجبة الليبية والعمامة.
حينها أشارت التوقعات إلى أنه كان يراهن على حنين الليبيين إلى الاستقرار النسبي الذي كانت تنعم به ليبيا قبل انتفاضة عام 2011 التي دعمها حلف شمال الأطلسي وأطاحت بوالده ومهّدت لحالة من الفوضى والعنف استمرت سنوات.
لكن ترشّحه للرئاسة في 2021 أثار الجدل وعارضه كثيرون ممن عانوا في ظل حكم والده. كذلك رفضته جماعات مسلّحة قوية انبثقت عن فصائل المعارضة التي ظهرت عام 2011. ومع تعثّر العملية الانتخابية أواخر 2021 في ظل عدم التوصل إلى اتفاق حقيقي على القواعد، صار ترشّح سيف الإسلام إحدى أبرز نقاط الخلاف. فصدر قرار باستبعاده بسبب إدانته عام 2015، لكن عندما حاول الطعن في القرار، أغلق مقاتلون المحكمة ومنعوا الوصول إليها. فيما أسهمت الخلافات التي أعقبت ذلك في انهيار العملية الانتخابية وعودة ليبيا إلى حالة الجمود السياسي.
في مقابلة مع مجلة نيويورك تايمز عام 2021، تحدّث سيف الإسلام عن استراتيجيته السياسية قائلاً “لقد كنت بعيداً عن الشعب الليبي عشر سنوات… عليك أن تعود ببطء، ببطء… عليك أن تؤثر في عقولهم قليلاً”. في حين رأى جليل حرشاوي، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا، أن “سيف الإسلام لم يستطع بعد الإفراج عنه إلقاء خطابات أو إصدار بيانات عامة عبر الصحافة أو وسائل التواصل الاجتماعي، مع ذلك ظلّت أهميته الرمزية كبيرة، وقد كانت هذه المكانة الرمزية أحد العوامل الرئيسية التي حالت دون المضي في انتخابات عام 2021”.
وختم قائلاً “أما الآن بعد أن لقي حتفه، فستتراجع معنويات معظم الفصائل الموالية للقذافي وسيستبد بها الغضب. وفي الوقت نفسه، أُزيلت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا”. يذكر أن الفريق السياسي لسيف الإسلام قد طالب سابقاً بفتح تحقيق محلي ودولي مستقل وشفاف للكشف عن ملابسات الاغتيال وتحديد هوية الجناة والعقول المدبرة له.





