
في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وتغلغلت أدوات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل عملنا وتواصلنا وتفكيرنا، فاجأ العالم خبر يشبه صاعقة من السماء. حملة مقاطعة غير مسبوقة تستهدف أشهر أداة ذكاء اصطناعي في التاريخ، ChatGPT، تحت وسم جديد ومثير هو #QuitGPT. ما قصة هذا التحرك الشعبي المفاجئ؟ ولماذا يهدد المستخدمون بإلغاء اشتراكاتهم والتخلي عن هذه الأداة الثورية التي اعتادوا عليها؟
بداية الحركة: من رحم ريديت
انطلقت شرارة حملة QuitGPT في أوائل فبراير 2026، من على منصة ريديت الشهيرة، لتنتشر كالنار في الهشيم عبر إنستغرام ومواقع التواصل الأخرى، وحتى عبر موقع مخصص للحملة . لم تكن مجرد موجة عابرة من الانتقادات، بل تحولت بسرعة إلى حراك منظم يطالب المستخدمين باتخاذ خطوات عملية: حذف تطبيق ChatGPT، إلغاء الاشتراكات المدفوعة (ChatGPT Plus)، والتحول إلى منصات ذكاء اصطناعي بديلة . الجوهر الحقيقي لهذه الحركة هو تحويل الغضب إلى فعل اقتصادي ملموس يضرب الشركة في المكان الأكثر إيلاماً: إيراداتها .
تفجير القنبلة الأولى: تمويل ترامب
ما هو السبب الذي دفع الآلاف لترك روبورتهم المفضل؟ الإجابة تكمن في أروقة السياسة الأمريكية. كشفت وثائق تمويل الحملات الانتخابية أن جريج بروكمان، رئيس شركة OpenAI وأحد مؤسسيها، هو وزوجته قد تبرعا بمبلغ ضخم قدره 25 مليون دولار إلى MAGA Inc.، وهو لجنة العمل السياسي الرئيسية الداعمة للرئيس دونالد ترامب .
الرقم صادم بحد ذاته، فهو يشكل ما يقرب من ربع إجمالي 102 مليون دولار جمعتها اللجنة في النصف الثاني من عام 2025 . بالنسبة للملايين من مستخدمي ChatGPT حول العالم، الذين ينتمون إلى طيف واسع من التيارات السياسية والفكرية، كان هذا التمويل بمثابة إعلان حرب. لم يعودوا يرون في الأداة مجرد برنامج محايد، بل أصبحت مرتبطة بسياسات وإدارة يعارضها الكثيرون بشدة . هذا الشعور تجسد في شعار الحملة الرئيسي: “ChatGPT هو أكبر ممول لترامب، وقد حان وقت QuitGPT” .
السبب الأعمق: تواطؤ مع سياسات الهجرة
لكن الغضب لم يتوقف عند حدود التبرعات المالية. فالحملة سلطت الضوء على زاوية أخرى أكثر إيلاماً من الناحية الإنسانية. فقد كشفت التقارير أن وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) تستخدم أدوات تعمل بتقنية GPT-4 التابعة لـ OpenAI في عملياتها، بما في ذلك فحص السير الذاتية للمرشحين للوظائف داخل الوكالة .
هذه المعلومة وضعت ChatGPT في قلب الصراع المحتدم حول سياسات الهجرة الأمريكية المثيرة للجدل. بالنسبة لنشطاء الحملة، فإن مجرد تقديم أي دعم تكنولوجي لوكالة مثل ICE، التي يواجهونها بسبب سياساتها الصارمة تجاه المهاجرين، هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه . أصبحت الرسالة واضحة: “انسحب من ChatGPT إذا كنت ترفض تمويل ترامب ودعم آلة الترحيل التابعة لـ ICE” .
زخم متزايد: من الملايين إلى نجم هوليوود
ما بدأ كحراك رقمي محدود، سرعان ما تحول إلى ظاهرة عالمية. الأرقام تتحدث عن نفسها: أعلن موقع الحملة أن أكثر من 700 ألف شخص سجلوا دعمهم أو تفاعلوا مع الدعوة . لكن الرقم الأكثر إثارة للإعجاب كان على إنستغرام، حيث حصد منشور للحملة أكثر من 36 مليون مشاهدة وحوالي 1.3 مليون إعجاب .
القشة التي قصمت ظهر البعير، أو بالأحرى الوجه الذي أعطى للحملة شرعية شعبية هائلة، كان النجم العالمي مارك روفالو. الممثل الشهير، المعروف بأدواره في أفلام مارفل ونشاطه السياسي المعروف، أعلن دعمه الصريح لحركة QuitGPT . نشر روفالو منشورات داعمة للحملة عبر حساباته، حاثاً متابعيه على التفكير في بدائل لـ ChatGPT مثل Claude أو Gemini، ومؤكداً على أن المستهلكين ليسوا مجبرين على البقاء مخلصين لمنصة واحدة، وأن إلغاء الاشتراكات يمكن أن يرسل رسالة قوية حول المساءلة الأخلاقية لشركات التكنولوجيا . تأييد نجم بهذا الحول أعطى الحملة دفعة هائلة وجذب إليها أنظار وسائل الإعلام العالمية .
تضافر الجهود: “قاوم وألغِ الاشتراك”
لم تكن QuitGPT حركة منعزلة، بل وجدت حليفاً قوياً في حملة أكاديمية منظمة. البروفيسور سكوت جالاوي، خبير التسويق الشهير في جامعة نيويورك، أطلق مبادرة موازية باسم “Resist and Unsubscribe” (قاوم وألغِ الاشتراك) . تدعو هذه الحملة المستهلكين إلى تجميد اشتراكاتهم في عشر شركات تكنولوجيا كبرى، من بينها OpenAI، لمدة شهر كامل (شهر فبراير) كوسيلة للضغط الاقتصادي .
الفكرة التي يروجها جالاوي هي أن الغضب على الإنترنت لا يكفي، بل يجب تحويله إلى قوة مالية تؤثر في القرارات. إذا قام عدد كافٍ من الناس بإلغاء اشتراكاتهم، حتى لو لفترة قصيرة، فسوف تشعر الشركات بذلك في أرباحها النهائية، مما قد يجبر قادتها على إعادة النظر في تحالفاتهم السياسية . هذا الربط بين الحملتين خلق زخماً أكبر وقدم إطاراً نظرياً للتحرك الشعبي.
هل تؤثر الحملة؟ بين الأمل والواقع
في خضم هذا الزخم الهائل، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح QuitGPT حقاً في زعزعة عملاق مثل OpenAI؟ الإجابة معقدة.
من ناحية، لا يمكن إنكار التأثير الرمزي والإعلامي. عالم الاجتماع دانا فيشر من الجامعة الأمريكية ترى أن الضغط الحقيقي الذي يمكن أن ينجح هو ذلك الذي يستخدم المال كأداة للتعبير عن الرأي السياسي . إذا تضافرت جهود عدد كافٍ من المستخدمين، يمكن أن يتغير السلوك المؤسسي .
من ناحية أخرى، تواجه الحملة تحديات جسام. ChatGPT لا يزال يهيمن على السوق بما لا يقارن، مع ما يقدر بنحو 800 إلى 900 مليون مستخدم نشط أسبوعياً حول العالم . الأداة أصبحت متأصلة في حياة الملايين اليومية والعملية، والخروج منها ليس سهلاً . حتى أن الحملات الموازية تعترف بصعوبة المقاطعة الكاملة، مشيرة إلى أن التخلي عن خدمات هذه الشركات قد يجعل من المستحيل تقريباً استخدام الإنترنت بشكل طبيعي .
علاوة على ذلك، لم يصدر أي رد فعل رسمي من OpenAI حتى الآن، مما قد يعني أن الشركة إما لا تشعر بالتهديد بعد، أو تنتظر لترى ما إذا كانت هذه مجرد عاصفة في فنجان .
ما بعد QuitGPT: معركة القيم في عصر الذكاء الاصطناعي
في النهاية، تمثل حركة QuitGPT أكثر من مجرد حملة لمقاطعة تطبيق. إنها استفتاء شعبي على مستقبل الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالسلطة والسياسة. إنها صرخة في وجه شركات التكنولوجيا العملاقة مفادها أن المستخدمين لم يعودوا مجرد أرقام في قاعدة بيانات، بل هم كيانات ذات قيم ومبادئ يتوقعون أن تراعيها الشركات التي تخدمهم.
سواء نجحت QuitGPT في تحقيق أهدافها المباشرة أم لا، فقد نجحت بالفعل في شيء أكثر أهمية: فتح نقاش عالمي حول مسؤولية الذكاء الاصطناعي، والشفافية، وأخلاقيات التمويل السياسي. لقد أظهرت أنه في عصر التكنولوجيا، يمكن للمشاعر الشعبية أن تتحول إلى قوة ضاغطة حقيقية، وأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يصنعه المبرمجون والمستثمرون وحدهم، بل سيشترك في صياغته ملايين المستخدمين حول العالم بقراراتهم اليومية.





