أسباب السرطان القابلة للوقاية: دراسة عالمية تكشف 6 عادات ترفع خطر الإصابة

في عالم يموج بأخبار التكنولوجيا والصراعات السياسية، يأتي الخبر العلمي ليذكرنا بأبسط الحقائق وأعمقها في نفس الوقت. دراسة عالمية حديثة، نشرتها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، كشفت النقاب عن رقم صادم وباعث على الأمل في آن واحد: ما يقرب من 40% من جميع حالات السرطان الجديدة في العالم كان يمكن تجنبها . الرقم ليس مجرد إحصائية باردة، بل هو دعوة صارخة لإعادة النظر في علاقتنا بعاداتنا اليومية التي قد تكون أخطر مما نتصور.

 

الدراسة التي نُشرت في فبراير 2026 في مجلة Nature Medicine المرموقة، اعتمدت على تحليل بيانات ضخمة غطت 185 دولة و36 نوعاً مختلفاً من السرطان . لم تبحث في الجينات أو الحظ، بل ركزت على 30 عامل خطر يمكن تغييرها وتعديلها، وهي العوامل التي تتعلق بأسلوب حياتنا وبيئتنا المحيطة. النتيجة كانت قاطعة: من بين 18.7 مليون إصابة جديدة بالسرطان في عام 2022، كان حوالي 7.1 مليون إصابة مرتبطة مباشرة بهذه العوامل القابلة للوقاية .

 

ثلاثة عوامل رئيسية تقف خلف المأساة

 

عند الغوص في التفاصيل، تبرز ثلاثة عناصر كأبرز المساهمين في هذه الأرقام المخيفة. يتصدر القائمة وبفارق كبير التدخين، الذي كان مسؤولاً عن 15.1% من جميع حالات السرطان الجديدة على مستوى العالم، أي ما يعادل 3.3 مليون حالة . لم يعد السرطان المرتبط بالتدخين مقتصراً على الرئة فقط، بل امتد ليشمل الحنجرة والمريء والمعدة والكبد والقولون وغيرها .

 

في المرتبة الثانية، تأتي العدوى كعامل خطر رئيسي، مسؤولة عن 10.2% من الحالات (حوالي 2.3 مليون حالة) . قد يكون هذا مفاجأة للبعض، لكن بعض الفيروسات والبكتيريا يمكن أن تؤدي إلى السرطان إذا تركت دون علاج. هيليكوباكتر بيلوري، وهي بكتيريا تصيب المعدة، كانت السبب الرئيسي وراء سرطان المعدة. فيروس الورم الحليمي البشري كان المتهم الأول في سرطان عنق الرحم، بينما ارتبط فيروسا التهاب الكبد B وC بسرطان الكبد . الخبر السار هنا أن هذه العدوى يمكن الوقاية منها باللقاحات أو العلاج المبكر.

 

العامل الثالث والأكثر انتشاراً في ثقافتنا الاجتماعية هو الكحول. شرب الكحول مسؤول عن 3.2% من حالات السرطان الجديدة، أي حوالي 700 ألف حالة . الدراسات لم تعد تترك مجالاً للشك: حتى الاستهلاك المعتدل والمنتظم للكحول يزيد من خطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان، بما في ذلك سرطان الثدي والقولون والكبد والفم والحلق .

 

ليس كل الرجال والنساء سواء

 

أحد أكثر النتائج إثارة للاهتمام في الدراسة هو الفرق الصارخ بين الجنسين. الرجال يتحملون عبئاً أكبر بكثير من السرطانات التي يمكن الوقاية منها، حيث كانت 45.4% من الإصابات الجديدة بين الرجال مرتبطة بعوامل خطر قابلة للتغيير، مقابل 29.7% فقط لدى النساء . التفسير بسيط ومباشر: الرجال في المتوسط أكثر عرضة للتدخين وشرب الكحول والتعرض للمواد المسرطنة في بيئة العمل .

 

لدى النساء، كان العامل الأكبر هو العدوى (مثل فيروس الورم الحليمي البشري المسبب لسرطان عنق الرحم)، يليه التدخين وارتفاع مؤشر كتلة الجسم (السمنة) . هذا يعني أن استراتيجيات الوقاية تحتاج إلى أن تكون مصممة خصيصاً لكل جنس ولكل منطقة جغرافية.

 

جغرافية المرض: خريطة عالمية للخطر

 

توزع السرطانات القابلة للوقاية لم يكن متساوياً حول العالم. في شرق آسيا، كانت النسبة الأعلى على الإطلاق بين الرجال، حيث بلغت 57.2% . في المقابل، كانت النسبة الأعلى بين النساء في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (38.2%)، ويرجع ذلك أساساً إلى ارتفاع معدلات العدوى المسببة للسرطان مثل فيروس الورم الحليمي البشري، إلى جانب محدودية الوصول إلى اللقاحات والفحص والعلاج .

 

هذه الفروق الجغرافية تعكس التفاوت في التنمية الاقتصادية وجودة الرعاية الصحية وفعالية السياسات العامة. في البلدان الغنية، تأتي السرطانات المرتبطة بالتدخين والكحول والسمنة في المقدمة، بينما في البلدان الفقيرة، لا تزال العدوى تشكل الخطر الأكبر.

 

ما العمل؟ دروس للفرد والمجتمع

 

هذه الدراسة ليست مجرد جرس إنذار، بل هي خريطة طريق واضحة. على المستوى الفردي، يمكن لكل واحد منا أن يتخذ خطوات جادة وفورية: الإقلاع عن التدخين، تقليل استهلاك الكحول، الحفاظ على وزن صحي، ممارسة الرياضة بانتظام، وتناول غذاء متوازن غني بالخضروات والفواكه . كما أن التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري والتهاب الكبد B هو استثمار في مستقبل خالٍ من السرطان.

 

على المستوى المجتمعي، النتائج تدعو الحكومات إلى تبني سياسات أكثر جرأة: فرض ضرائب أعلى على التبغ والكحول، تنظيم الإعلانات، توفير اللقاحات مجاناً، وتحسين جودة الهواء ومكافحة التلوث . كما أن تعزيز برامج الفحص المبكر والكشف عن العدوى يمكن أن ينقذ ملايين الأرواح.

 

الخلاصة التي تخرج بها هذه الدراسة هي أن الوقاية من السرطان ليست حلماً بعيد المنال، بل هي ممكنة وقابلة للتحقيق. السرطان ليس قدراً محتوماً في معظم الحالات، بل هو نتاج تراكمي لخياراتنا اليومية وبيئتنا المحيطة. كما قالت إيزابيل سورجومارام، كبيرة مؤلفي الدراسة: “معالجة هذه الأسباب القابلة للوقاية تمثل واحدة من أقوى الفرص لتقليل عبء السرطان العالمي” . الفرصة بين أيدينا، والخيار لنا وحدنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى