
في مشهد درامي غير مسبوق هز الرأي العام السوري والعربي، مثلت المتهمة بقتل الفنانة القديرة هدى شعراوي جريمتها أمام عدسات الكاميرا، كاشفةً عن تفاصيل مروعة ودوافع قالت إنها تراكمت نتيجة سنوات من المعاملة السيئة. فيكي أجوك، الخادمة الأوغندية التي كانت تعمل في منزل الفنانة الراحلة بحي باب سريجة بدمشق، أعادت تمثيل لحظات الجريمة خطوة بخطوة، بينما كانت تروي روايتها عما حدث في ذلك اليوم المشؤوم من أواخر يناير الماضي.
وزارة العدل السورية هي التي نشرت مشاهد تمثيل الجريمة، في إجراء قضائي يهدف إلى كشف كل تفاصيل القضية بدقة متناهية، والتأكد من أن اعترافات المتهمة تطابق الأدلة المادية الموجودة في مسرح الجريمة . هذا الإجراء، الذي يتم لأول مرة بهذه العلنية في قضية تحظى باهتمام شعبي كبير، يهدف إلى تحقيق العدالة الناجزة وضمان عدم وجود أي ثغرات في التحقيقات التي تجريها الجهات القضائية المختصة.
في تسجيل مصور مدته عدة دقائق، ظهرت فيكي أجوك وهي ترتدي الزي الرمادي الخاص بالسجون، محاطة بعناصر الأمن والقضاء، وتعيد تمثيل اللحظات التي سبقت الجريمة. وبحسب روايتها التي سردتها أثناء التمثيل، فإن الدافع لم يكن مجرد السرقة كما روج البعض، بل كانت سنوات من التراكم النفسي والمعاناة اليومية التي وصلت إلى ذروتها في ذلك اليوم.
قالت المتهمة بصوت خافت أحياناً ومتقطع: “لم تطعمني لعدة أيام… كانت تسيء معاملتي باستمرار”. وأضافت أن الفنانة الراحلة كانت تمنعها من تناول الطعام في بعض الأيام، وتوجه إليها كلمات قاسية، وتعاملها بطريقة لا إنسانية على حد وصفها. هذا التراكم، وفقاً لروايتها، خلق لديها شعوراً بالغضب والإحباط والحاجة إلى الانتقام، حتى جاءت لحظة الانفجار.
أثناء التمثيل، أشارت المتهمة إلى الأداة المستخدمة في الاعتداء، وهي “هاون” حجري كان موجوداً في المنزل. أوضحت كيف تطور الخلاف فجأة من مشادة كلامية إلى اشتباك جسدي، وكيف أقدمت على ضرب رأس الفنانة بتلك الأداة الصلبة مرات عدة، ما أدى إلى إصابتها بنزيف حاد أودى بحياتها على الفور تقريباً.
بعد الجريمة، غادرت المتهمة المنزل مسرعة، لكنها لم تبتعد كثيراً. السلطات الأمنية تمكنت من إلقاء القبض عليها في ساعات متأخرة من الليلة نفسها، بعد مطاردة قصيرة، لتبدأ بعدها رحلة التحقيقات التي كشفت النقاب عن هذه التفاصيل الصادمة.
هذا التمثيل أثار موجة من التعليقات المتضاربة على مواقع التواصل الاجتماعي. البعض رأى فيه خطوة مهمة نحو كشف الحقيقة كاملة، بينما رأى آخرون أن دوافع المتهمة، حتى لو كانت صحيحة، لا تبرر أبداً جريمة قتل بشعة بحق امرأة مسنة في الثامنة والثمانين من عمرها، كانت تعتبر أيقونة فنية سورية محبوبة.
في المقابل، كانت أسرة الفنانة الراحلة حاضرة بقوة في المشهد. في تصريحات سابقة، أكد زوج ابنتها غسان الحريري وحفيدها أحمد الحريري أن الأسرة تتابع التحقيقات عن كثب، وتعرب عن ثقتها الكاملة في القضاء السوري. الأسرة كانت حاسمة أيضاً في نفي أي شائعات عن وجود طرف ثالث أو عقل مدبر للجريمة، مؤكدة أن الخادمة هي المنفذة الوحيدة وأن العدالة ستأخذ مجراها .
الجريمة التي هزت الوسط الفني السوري، أودت بحياة فنانة مخضرمة شاركت في العشرات من الأعمال الدرامية عبر عقود، وكان أشهرها دور “الداية أم زكي” في مسلسل “باب الحارة” الذي حقق شهرة واسعة في الوطن العربي. رحيلها بهذه الطريقة المأساوية خلف حالة من الحزن العميق في الأوساط الفنية والشعبية، حيث نعتها نقابة الفنانين السوريين وأعرب زملاؤها عن صدمتهم واستنكارهم للجريمة.
التحقيقات القضائية لا تزال مستمرة، ومن المتوقع أن يتم قريباً إحالة ملف القضية إلى المحكمة المختصة للنطق بالحكم. ما كشفته جلسة تمثيل الجريمة يضيف بعداً جديداً للقضية، لكنه في النهاية يظل رواية متهمة تحتاج إلى التدقيق والموازنة مع الأدلة الأخرى وشهادات الشهود، قبل أن تضع العدالة كلمتها الأخيرة في هذه المأساة التي أدمعت قلوب الملايين.





