
في ساعات الفجر الأولى من يوم السبت 3 يناير 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق داخل فنزويلا، تكللت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة. وفي قلب هذه العملية، المعروفة باسم “عملية العزم المطلق” (Operation Absolute Resolve)، كانت وحدة النخبة الأمريكية الشهيرة: قوة دلتا.
ما هي قوة دلتا الأمريكية؟
قوة دلتا، والمعروفة رسمياً باسم الكشفية التشغيلية الخاصة – دلتا (SFOD-D)، هي وحدة العمليات الخاصة الأكثر نخبوية وتقديراً في الجيش الأمريكي. تأسست عام 1977 كنظيرة لوحدات مكافحة الإرهاب في أوروبا مثل الوحدة الألمانية GSG-9. دورها الأساسي هو تنفيذ المهام عالية الخطورة والحساسية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب، وإنقاذ الرهائن، والاستطلاع الخاص، والعمليات المباشرة لاستهداف الشخصيات والمواقع عالية القيمة.
ما يميز قوة دلتا:
- الانتقاء الصارم: يتم تجنيد أعضائها حصرياً من صفوف وحدات النخبة الموجودة أصلاً في الجيش، مثل القوات الخاصة (البرقوق الخضراء) وفوج الرينجرز 75.
- التدريب المكثف: يخضع الجنود لبرنامج تقييم وتدريب صارم وطويل الأمد يختبر قدرتهم البدنية والمهارية والنفسية إلى أقصى الحدود.
- السرية التامة: تحاط عملياتها وهوية أعضائها بدرجة عالية من السرية. نادراً ما تؤكد الحكومة الأمريكية علناً مشاركتها في عمليات محددة.
- سجل حافل: شاركت في معظم النزاعات الأمريكية منذ الثمانينيات، بما في ذلك مهمات بارزة مثل القبض على مانويل نورييغا في بنما (1989)، والقبض على صدام حسين في العراق (2003)، ومهمة قتل أبو بكر البغدادي في سوريا (2019).
عملية “العزم المطلق”: سرد تفصيلي للقبض على مادورو
كانت العملية ثمرة شهور من التخطيط والاستعدادات. وصف رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين العملية بأنها “تتويج لأشهر من التخطيط والتدريب”. وفيما يلي خطوات العملية الرئيسية كما كُشف عنها:
الجدول الزمني للعملية:
- الموافقة النهائية: منح الرئيس دونالد ترامب الضوء الأخضر للعملية في الساعة 10:46 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الجمعة 2 يناير.
- التحليق والتسلل: انطلقت أكثر من 150 طائرة من 20 قاعدة ومنصة في النصف الغربي من الكرة الأرضية. حلقت مروحيات فوج العمليات الجوية الخاصة 160 (الملاحون الليليون)، وهي وحدة النقل الجوي المخصصة للقوات الخاصة، على ارتفاع منخفض جداً (100 قدم) فوق سطح البحر للدخول إلى فنزويلا.
- تأمين المجال الجوي: وفرت الطائرات المقاتلة والقاذفات وطائرات بدون طيار غطاءً جوياً. عطلت القوات الأمريكية أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية أثناء اقتراب المروحيات من العاصمة كاراكاس. كما أفادت التقارير أن قيادة الفضاء الإلكتروني الأمريكية شاركت في تعتيم أضواء المدينة جزئياً.
- الاشتباك والاقتحام: عند الاقتراب من مجمع مادورو، تعرضت المروحيات لإطلاق نار لكنها ظلت صالحة للطيران. اقتحمت قوة دلتا وممثلو مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المجمع.
- الاعتقال: حاول مادورو الوصول إلى غرفة آمنة محصنة بالفولاذ لكن “لم يتمكن من إغلاق الباب لأن رجالنا كانوا سريعين جداً”، كما قال الرئيس ترامب. استسلم مادورو وزوجته وتم اعتقالهما.
- الإخلاء والمحاكمة: نُقل الزوجان أولاً إلى السفينة الحربية يو إس إس إيو جيما في البحر الكاريبي، ثم إلى قاعدة ستيوارت الجوية في نيويورك للمثول أمام المحكمة بتهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات وتهريب الكوكايين.
أهداف ونتائج العملية
كان الدافع المعلن للعملية هو ملاحقة مادورو قضائياً حيث كان مطلوباً للعدالة الأمريكية منذ 2020 بتهم تتعلق بتهريب المخدرات، مع مكافأة تصل إلى 50 مليون دولار للإبلاغ عنه.
| الهدف المعلن للولايات المتحدة | ردود الفعل والنتائج الأولية |
|---|---|
|
|
دروس من التاريخ: مقارنة مع عمليات سابقة
عملية اعتقال مادورو ليست الأولى من نوعها لقوة دلتا. يكشف تاريخها عن نمط في تنفيذ المهام الحساسة ضد قادة الدول أو الجماعات:
- مانويل نورييغا (بنما، 1989): شاركت قوة دلتا في الغزو الأمريكي لبنما وكانت جزءاً من القوة التي طاردت الديكتاتور مانويل نورييغا وأخيراً حاصرته في السفارة البابوية قبل استسلامه.
- صدام حسين (العراق، 2003): بعد الغزو، عملت قوة دلتا مع فرق أخرى في مطاردة وتسليم صدام حسين، الذي تم العثور عليه مختبئاً في حفرة بالقرب من تكريت.
- أبو بكر البغدادي (سوريا، 2019): قادت قوة دلتا الغارة الليلية على مجمع البغدادي في إدلب بسوريا، مما أدى إلى انتحاره.
تشترك هذه العمليات جميعاً في الاعتماد على الاستخبارات الدقيقة، والتخطيط الدقيق، والمفاجأة التكتيكية، والقدرة على التكيف تحت الضغط – وهي سمات ظهرت بوضوح في عملية فنزويلا.
الخلاصة: ما وراء العملية العسكرية
عرضت عملية القبض على نيكولاس مادورو القدرات غير المسبوقة لوحدات النخبة الأمريكية مثل قوة دلتا في تنفيذ عمليات عالية التعقيد في عمق أراضي دولة ذات سيادة. ومع ذلك، فإن التداعيات تتجاوز بكثير النجاح التكتيكي المباشر.
لقد أطلقت العملية موجة صدمة عبر النظام الدولي، مما أثار تساؤلات عميقة حول سيادة الدول ومبادئ القانون الدولي، وفتحت فصلًا جديدًا من عدم الاستقرار الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية. كما سلطت الضوء على التحدي المتمثل في المصالحة بين الأمن القومي والإجراءات الدستورية داخل الولايات المتحدة نفسها.
بينما يواجه مادورو المحاكمة في نيويورك، تبقى الأسئلة الأكبر مفتوحة: ما هي الآثار طويلة المدى على فنزويلا وشعبها؟ كيف سيكون شكل “الانتقال” الذي وعدت به الإدارة الأمريكية؟ وكيف ستستجيب القوى العالمية لهذا السابقة؟ الإجابات على هذه الأسئلة ستشكل المشهد الجيوسياسي لأعوام قادمة.










