
في تحذير طبي واضح ومتكرر، يربط الخبراء والعلماء بين استهلاك اللحوم الحمراء (كاللحم البقري والخروف) واللحوم المصنعة (كاللانشون والسجق والبرغر) وزيادة خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، والذي يعد ثاني أكثر أنواع السرطان انتشاراً في العديد من الدول العربية. يهدف هذا التقرير إلى فهم الآلية العلمية وراء هذا التحذير، ومعرفة حجم الخطر الحقيقي، وتقديم بدائل عملية للتخفيف من هذا الخطر ضمن نظام غذائي صحي.
1. الأدلة العلمية: ماذا تقول المنظمات الصحية العالمية؟
لا يعتمد هذا التحذير على رأي فردي، بل على تقييمات علمية رصينة من أهم المنظمات في العالم:
- منظمة الصحة العالمية (WHO): تصنف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لها اللحوم المصنعة ضمن “المجموعة الأولى” للمواد المسرطنة للإنسان، أي أن هناك أدلة كافية على تسببها في السرطان (مثل التدخين والأسبستوس، لكن بدرجة خطر أقل). كما تصنف اللحوم الحمراء ضمن “المجموعة 2أ” كمادة “يحتمل أن تكون مسرطنة” للإنسان.
- جمعية السرطان الأمريكية: توصي بالحد من تناول اللحوم الحمراء والمُصنعة واختيار البروتينات الأخرى مثل الأسماك والدواجن والبقوليات.
- الصندوق العالمي لأبحاث السرطان: ينصح بعدم تجاوز استهلاك 350-500 جرام (مطبوخ) من اللحوم الحمراء أسبوعياً، وتجنب اللحوم المصنعة قدر الإمكان.
2. الآلية العلمية: كيف تؤدي هذه اللحوم إلى زيادة المخاطر؟
يفسر العلماء هذا الارتباط بعدة آليات بيوكيميائية تحدث داخل الجهاز الهضمي:
أ. المركبات الضارة في اللحوم المصنعة:
- النترات والنتريت: تضاف كمادة حافظة ولإعطاء اللون الوردي. عند تناولها، يمكن أن تتحول داخل الجسم إلى مركبات النتروزامين، وهي مركبات قوية معروفة بقدرتها على إتلاف الحمض النووي (DNA) لخلايا بطانة القولون وقد تؤدي إلى تحورها سرطانية.
- الأمينات الحلقية غير المتجانسة (HCAs) والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs): تتكون هذه المركبات المسرطنة عندما تُطهى اللحوم (خاصة المصنعة والحمراء) بدرجات حرارة عالية مثل الشوي المباشر على الفحم أو القلي.
ب. تأثير اللحوم الحمراء على البيئة الداخلية للقولون:
- مركب “الهيم” (Heme Iron): وهو الصبغة الحمراء في اللحوم. يشجع هذا المركب على تكوين مركبات النتروزامين الضارة داخل الأمعاء نفسها، كما قد يحفز تكاثر الخلايا ويهيج بطانة القولون، مما يزيد من احتمالية حدوث أخطاء خلال انقسام الخلايا.
- تأثير على بكتيريا الأمعاء: قد يغير النظام الغذائي الغني باللحوم الحمراء من توازن الميكروبيوم في الأمعاء، مما يشجع على نمو أنواع من البكتيريا التي تنتج مواد التهابية أو مسرطنة.
3. حجم الخطر: كم تزيد النسبة حقاً؟
الخطر ليس مطلقاً، ولكنه نسبي ومرتبط بالكمية والمدة.
- تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن تناول 50 جراماً يومياً من اللحوم المصنعة (ما يعادل شريحتين من اللانشون أو سجقة واحدة) يزيد من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بنسبة حوالي 18%.
- الخطر يتصاعد مع زيادة الكمية المستهلكة وطول فترة الاستهلاك.
- من المهم فهم أن هذه “زيادة نسبية” في الخطر على المستوى الفردي. العوامل الأخرى مثل التاريخ العائلي، قلة النشاط البدني، التدخين، والسمنة تلعب أدواراً مجتمعة أكبر.
4. نصائح عملية للوقاية والحد من المخاطر
الهدف ليس الاستغناء التام، بل الاعتدال واتباع نمط حياة صحي.
دليل عملي للاستهلاك الآمن:
| التوصية | البدائل الصحية الموصى بها | نصائح للطهي الأكثر أماناً |
|---|---|---|
| الحد من اللحوم الحمراء إلى 1-2 وجبة أسبوعياً (500 جم كحد أقصى) | الأسماك (السلمون، السردين)، الدواجن منزوعة الجلد، البقوليات (العدس، الفول، الحمص)، البيض، المكسرات. | استخدم طرق طهي لطيفة مثل السلق، الطهي على البخار، أو الخَبز في الفرن على حرارة متوسطة. |
| تجنب اللحوم المصنعة قدر الإمكان | استبدل البرجر واللانشون ببروتينات طبيعية. جرب “برجر” العدس أو الفلافل محلية الصنع. | إذا شويت اللحم، تجنب تعريضه مباشرة للهب أو الأدخنة. انقع اللحم بالتوابل والخل أو الليمون قبل الشوي لتقليل تكون HCAs. |
نظام غذائي وقائي للقولون:
- زيادة الألياف: تناول الكثير من الخضروات، الفواكه، والحبوب الكاملة. الألياف تسرع مرور الفضلات وتخفف من تماسك المواد الضارة مع جدار القولون.
- مصادر الكالسيوم وفيتامين د: (مثل الحليب، اللبن، البيض، الأسماك الدهنية) حيث تشير بعض الدراسات إلى دورها الوقائي.
5. لا تهمل الفحص الدوري: أهم نصيحة تنقذ الحياة
سرطان القولون من أكثر أنواع السرطان التي يمكن الوقاية منها وعلاجها إذا اكتُشف مبكراً، حتى قبل تحول الزوائد اللحمية إلى سرطان.
- المنظار التشخيصي (Colonoscopy): هو المعيار الذهبي للكشف، ويوصى به عادة بدءاً من عمر 45-50 سنة، أو قبل ذلك إذا كان هناك تاريخ عائلي قوي.
- تحدث إلى طبيبك عن التاريخ العائلي الخاص بك وعن العمر المناسب لك لبدء الفحص.
الخلاصة
تحذير الأطباء من اللحوم الحمراء والمصنعة لا يعني الذعر أو الحرمان، بل الدعوة إلى الوعي والاعتدال. إن تقليل استهلاك هذه اللحوم، واختيار طرق طهي صحية، والإكثار من الألياف النباتية، إلى جانب النشاط البدني المنتظم والمحافظة على وزن صحي وإجراء الفحوصات الدورية، تشكل معاً درعاً واقياً قوياً ضد سرطان القولون. قراراتك الغذائية اليومية، إلى جانب المتابعة الطبية، هي أقوى أدواتك للوقاية.
ملاحظة: هذه المقالة لأغراض التوعية الصحية العامة فقط، ولا تغني عن استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية للحصول على توصيات شخصية تناسب تاريخك الصحي واحتياجاتك.










