
في السنوات الأخيرة، ومع تقنين القنب في بعض الدول، تزايدت التساؤلات حول مخاطره الصحية طويلة المدى. واحدة من أكثر الادعاءات إثارة للجدل هي علاقته بسرطانات الرأس والعنق. هل هذا الخطر حقيقي؟ وإذا كان كذلك، فما حجمه؟ إليك تحليلاً علمياً يفرّق بين الحقائق المستندة إلى أدلة وبين التصورات الشائعة.
الدليل القوي: ما تقوله أحدث الأبحاث
كشفت دراسة كبيرة نُشرت في 2024 في مجلة طبية مرموقة متخصصة في جراحات الرأس والعنق، عن نتائج مهمة. حللت الدراسة السجلات الطبية لأكثر من 4 ملايين شخص في الولايات المتحدة، وركزت على الذين تم تشخيصهم بـ “اضطراب تعاطي القنب” (وهو نمط من الاستخدام المكثف والمشكل).
| نوع السرطان | مستوى زيادة الخطر لدى مستخدمي القنب المكثفين |
|---|---|
| سرطان الحنجرة | أعلى بحوالي 8.4 مرة (زيادة 840%) |
| سرطان البلعوم الفموي (اللوزتين، قاعدة اللسان) | أعلى بحوالي 5 مرات |
| سرطان الفم (بما في ذلك اللسان والخدين) | أعلى بحوالي 2.5 مرة |
هذه الأرقام مقلقة، لكن فهم سياقها ضروري. فالدراسة تبحث في فئة محددة جداً: الأشخاص الذين يدخنون القنب بشكل مكثف ومنتظم لدرجة تشخيصهم باضطراب التعاطي. هذا لا ينطبق بالضرورة على المستخدم العرَضي.
لماذا قد يكون تدخين القنب خطيراً؟ الآليات المحتملة
يشير العلماء إلى عدة أسباب قد تجعل دخان القنب يزيد من خطر السرطان:
- مواد مسرطنة مشتركة مع التبغ: يحتوي دخان القنب على العديد من المواد الكيميائية المسرطنة نفسها الموجودة في دخان التبغ، وأحياناً بتركيزات أعلى.
- طريقة التدخين: غالباً ما يتم تدخين القنب دون فلتر، مع استنشاق عميق وإبقاء الدخان في الرئتين والحلق لفترة أطول، مما يزيد تعرض الأنسجة للمواد الضارة.
- تأثير على المناعة والالتهاب: قد يضعف التعاطي المزمن من وظائف الجهاز المناعي ويخلق حالة من الالتهاب المزمن، وهي بيئة قد تساعد الخلايا السرطانية على النمو.
التدخين مقابل الاستهلاك بطرق أخرى
من المهم التمييز: الخطر الرئيسي الذي تتحدث عنه الأبحاث يرتبط بشكل مباشر بـ عملية حرق المادة واستنشاق دخانها. الخطر المحتمل لطرق الاستهلاك الأخرى (مثل الأكل “الطعام المحتوي على القنب”، أو التبخير، أو الزيوت) غير واضح بعد ويحتاج لمزيد من الدراسة. من الناحية النظرية، تجنب استنشاق منتجات الاحتراق يزيل أحد أهم عوامل الخطر.
الصورة الكاملة: عوامل لا يمكن تجاهلها
عند تقييم الخطر، يجب وضع عدة عوامل في الاعتبار:
- دور التبغ والكحول: كثير من مدخني القنب يدخنون التبغ أيضاً أو يخلطونه معه (مثل “البلانت”)، ويتناولون الكحول. كلاهما عاملان خطر قويان جداً لسرطانات الرأس والعنق. الدراسات الجيدة تحاول عزل تأثير القنب وحده، لكن التداخل في نمط الحياة يظل تحدياً.
- قوة الدراسة: الدراسة المذكورة (2024) قوية بسبب حجم العينة الهائل، مما يعطي نتائجها مصداقية إحصائية كبيرة.
- ما لا نعرفه بعد: لا تزال هناك حاجة لمعرفة ما إذا كان هناك “حد آمن” للاستخدام، وكيف يتفاعل القنب مع عوامل أخرى مثل فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، الذي أصبح سبباً رئيسياً لبعض سرطانات الحلق.
مقارنة مع القنب الطبي ومستخلصات CBD
لا يجب الخلط بين هذه النتائج والبحث في القنب الطبي. فهما مجالان مختلفان:
- تدخين القنب الترفيهي: يركز على مخاطر استنشاق الدخان.
- القنب الطبي والبحث العلمي: يبحث العلماء في إمكانات مستخلصات نباتية معينة (مثل CBD) في مكافحة نمو الخلايا السرطانية في المختبر أو تخفيف أعراض العلاج. هذه أبحاث أولية ومختلفة تماماً عن دراسة مخاطر التدخين.
الخلاصة: الوضوح بدلاً من الذعر
الأدلة العلمية الحديثة تشير بقوة إلى أن تدخين القنب بانتظام وبكثافة (إلى حد الإدمان) يرتبط بزيادة كبيرة في خطر الإصابة بسرطانات معينة في الرأس والعنق، خصوصاً الحنجرة والبلعوم.
ومع ذلك، هذا لا يعني أن كل من جرب القنب معرّض لهذا الخطر. العوامل الحاسمة هي: كثافة الاستخدام، طريقة الاستهلاك (التدخين هو الأخطر)، والعوامل المصاحبة مثل التدخين وشرب الكحول.
الرسالة الصحية الأهم هي: استنشاق أي دخان ناتج عن احتراق مادة نباتية يحمل مخاطر على الجهاز التنفسي والأنسجة التي يمر بها. إذا كانت هناك مخاوف صحية، فإن الخطوة الأولى هي التحدث بصراحة مع طبيب، والحرص على الفحوصات الدورية، خاصة إذا كان هناك استخدام للتبغ أو ظهور أعراض مستمرة مثل بحة الصوت أو صعوبة البلع.





