
تتحدث الحكايات التي تتناقلها الأجيال في سهراتها أحيانا عن أسرار صغيرة وعن كنوز مخفية في أبسط ما نملك داخل بيوتنا وعن قوى خفية في الأعشاب والتوابل التي نستخدمها كل يوم دون أن ننتبه إلى ما تحمله من وعود قديمة بتحسين حالنا وتجديد طاقتنا ومن بين هذه الحكايات تبرز قصة ملعقة صغيرة تؤخذ قبل النوم مزيج من زيت القرنفل مع مكون بسيط قد يكون العسل أو غيره كنوع من الطقوس اليومية التي يقال إنها تملك القدرة على إعادة النشاط وإحياء الحيوية في الجسم المتعب
هذه الفكرة لا تأتي من فراغ فللقرنفل تاريخ طويل ممتد في طب الأعشاب التقليدي عبر حضارات كثيرة فهو ليس مجرد بهار يضاف إلى الأطعمة بل كان يعتبر دواء كان الناس يستخدمونه لتسكين آلام الأسنان ولمساعدة الهضم ولمقاومة بعض الأمراض وقد ذكر في كتب الطب القديمة أن له طبيعة دافئة وأنه قد ينفع في إزالة الكسل والخمول الذي يعتري الجسد مع تقدم الوقت
أما العسل ذلك السائل الذهبي العجيب فقد وصف في التراث الإنساني كغذاء كامل وكترياق للكثير من العلل إنه نتاج رحلة طويلة للنحل بين الزهور وهو يحمل في حلاوته قوة الطبيعة الأم وقد ارتبط في الأذهان بالقوة والخصوبة والعافية منذ أقدم العصور
فكرة تناولهما معا قبل النوم تحمل منطقا خاصا فالنوم هو الوقت الذي يصلح فيه الجسد نفسه ويعيد بناء ما تهالك خلال النهار وما يؤخذ قبله قد يساهم في هذه العملية الإصلاحية العميقة قد يعمل هذا المزيج على تهدئة المعدة وتحسين الهضم مما يسمح للجسم بالاستغراق في نوم أكثر عمقا وهناء وقد يوفر دفقة لطيفة من العناصر التي يحتاجها الجسم للتجديد أثناء الليل
الشعور الذي يتحدث عنه من يداوم على هذه العادة قد يكون شعورا حقيقيا بالتحسن قد يستيقظ المرء وهو يشعر بنوع من الخفة والنشاط وكأن طاقة متراكمة قد أطلقت في جسده خلال سكون الليل وهذا لا يبدو مستغربا فالجسد الذي يحصل على نوم جيد وهضم مريح لابد أن يستجيب بالشكر صباحا
كما أن هناك قوة أخرى تعمل هنا هي قوة الاعتقاد والإيمان بالفعل نفسه حين يبدأ الإنسان طقسا يوميا يعتقد أنه لصالح صحته وينتظر منه الخير فإن عقله الباطن يشرع في العمل لتحقيق هذه النتيجة يصبح أكثر انتباها لعلامات التحسن وأقل تركيزا على آلام الصغرى يتغير إدراكه للذات ويبدأ حقا في الشعور بأنه أفضل هذا ما يسميه البعض تأثير الإيحاء الإيجابي وهو تأثير قوي لا يقل في شدته أحيانا عن تأثير الدواء المادي
لكن من المهم أن نضع هذه الملعقة في مكانها الصحيح من الصورة الكبيرة لحياتنا لا يمكن لملعقة وحدها مهما بلغت قوة مكوناتها أن تعيد عقارب الزمن إلى الوراء أو أن توقف عملية الشيخوخة البيولوجية التي هي قدر كل كائن حي الشيخوخة سفر طويل تتغير فيه تفاصيل الجسد وتتبدل احتياجاته والقوة في مراحل العمر المتقدمة تختلف عن قوة الصبا لكن هذا لا يعني الاستسلام للوهن
ما تفعله العادات الصغيرة الجيدة مثل هذه هو أنها تقدم دعما للجسم في رحلته أنها قد تساعد في تحسين جودة الحياة اليومية قد تمنح دفعة معنوية تعين على مواجهة متطلبات اليوم وقد تساهم في تحسين بعض الوظائف الجسدية الثانوية التي تنعكس إيجابا على الشعور العام
الحياة الصحية الحقيقية لا تقوم على سر واحد مخفي بل على نظام متكامل من العادات التي نصنعها يوما بعد يوم التغذية المتنوعة التي تشمل كل ما يحتاجه الجسم من ألوان الطعام المختلفة وشرب الماء النظيف والحركة الدائمة التي تنشط العضلات وتحافظ على مرونة المفاصل والنوم الكافي الذي يعيد شحن الطاقة والاهتمام بالصحة النفسية والبعد عن التوتر المزمن
فلا ضير أن نأخذ من حكمة الأقدمين هذه الوصية البسيطة ملعقة من مزيج طبيعي قبل النوم كهدية نقدمها لأجسادنا لكن لا يجب أن نعلق عليها آمال المعجزات بل نراها كقطعة في لوحة أكبر هي لوحة الاعتناء الشامل بالنفس
فالشباب الحقيقي ليس رقم في شهادة الميلاد بل هو حالة من الحيوية والنشاط والقدرة على العطاء يمكن تحقيقها في مختلف الأعمار بالقدر الذي تسمح به طبيعة الجسد وقوانينه القوة في السبعين قد تكون هادئة رزينة لكنها قوة حقيقية نابعة من خبرة سنين وتراكم حكمة وروتين يومي من العناية اللطيفة التي تصون البقية الباقية من الطاقة وتجعلها مشتعلة بنور هادئ ينير طريق الأيام القادمة دون حاجة للقفز كالغزال أو الزئير كالأسد بل بالسير الواثق للذي يعرف قدراته ويحترم حدود عمره ويستمتع بما تبقى من الطريق بهدوء وامتنان





