بعد سنين زواج، اكتشفت أن زوجي يمارس معي فعلاً حذرنا منه الرسول ﷺ بشدة! ما هو ‘الأقطن’؟ ولماذا يقع فيه الكثيرون؟ التوضيح الكامل

تمر بعض العلاقات الزوجية بمراحل تشوبها برود عاطفي أو برود جسدي، يشعر معها أحد الطرفين – وغالباً الزوجة – بأنها تعيش مع شريك جسدياً، لكنه بعيد جداً عاطفياً. في خضم البحث عن تفسير، قد تصل بعض النساء إلى مصطلح شرعي قديم هو الأقطن، والذي ورد النهي عنه في سنة رسول الله ﷺ. هذا الاكتشاف قد يسبب صدمة وارتباكاً: “هل يعاني زواجي من مشكلة حذر منها الدين؟”. هذا المقال لا يهدف للتخويف أو إصدار الأحكام، بل إلى التوضيح الشرعي والنفسي الشامل لهذا المفهوم، ومساعدتك على فهم ما يجري، ومعرفة أسباب حدوثه، والأهم، تقديم خارطة طريق عملية للتجاوز والعلاج، لأن الهدف الأسمى هو بناء علاقة زوجية صحية ومستقرة.

ما هو “الأقطن”؟ التعريف الشرعي والدلالة العملية

الأصل في العلاقة الزوجية في الإسلام هو المودة والرحمة والمساكنة السوية. ورد النهي عن “الأقطن” في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود، حيث قال رسول الله ﷺ: “لا يقعن أحدكم على أهله كوقوع البهيمة، وليكن بينهما رسول”. قيل: وما الرسول يا رسول الله؟ قال: “القبلة والكلام”.

وشرح العلماء أن الأقطن (بفتح القاف وتسكين الطاء) هو الرجل الذي يأتي أهله كوقوع البهيمة، أي: يباشر زوجته مباشرة جنسية خالية من أي مقدمات عاطفية أو كلام أو تقبيل، ثم ينصرف فور انتهائه، دون اكتراث بحاجاتها العاطفية أو الجسدية، وكأنها مجرد أداة لإشباع رغبته فقط. هو نمط من العلاقة الجنسية الأحادية الجانب، الخالية من روح المودة والرحمة.

كيف تكتشف الزوجة أن هذه هي حالتها؟

لا يتعلق الأمر بعدد مرات العلاقة، بل بطبيعتها وجودتها. تشعر الزوجة بأنها:

  • علاقتها مع زوجها أصبحت روتينية بحتة، خالية من المداعبة أو الكلام الحنون.
  • زوجها يبدأ العلاقة فجأة وينتهي منها فجأة، دون اهتمام بإرضائها أو حتى سؤال عنها.
  • بعد العلاقة، يشعرها بالبرد العاطفي، وينصرف للنوم أو لهاتفه، كأن شيئاً لم يكن.
  • تشعر بأنها “جسد” فقط في هذه اللحظة، وليس “شريكة حياة” يحبها ويرغب فيها.
  • يتراكم لديها شعور بالإهانة، والنقص، والوحدة داخل العلاقة نفسها.

لماذا يقع الكثير من الرجال في هذه الممارسة؟ الأسباب المتعددة

فهم الأسباب هو أول خطوة للحل. “الأقطن” ليس بالضرورة دليلاً على قلة الحب أو سوء النية، بل غالباً ما يكون نتيجة تراكم عوامل نفسية واجتماعية:

1. الجهل بالفرق بين الغريزة والعلاقة الزوجية السوية

يعتقد بعض الرجال أن الغاية من العلاقة الحميمة هي إشباع الرغبة الجسدية فقط، دون إدراك أن للزوجة حاجات عاطفية وجسدية متكاملة، وأن الإسلام حض على إشباعها. فهناك جهل بالهدي النبوي في المعاشرة.

2. الضغوط الحياتية والروتين القاتل

مشاكل العمل، الهموم المالية، والإجهاد المستنفد للطاقة العاطفية، قد تجعل الرجل يرى العلاقة كـ “مهمة” يجب إنجازها بسرعة للتنفيس، وليس كـ فرصة للتواصل والراحة المشتركة.

3. الخجل أو قلة الخبرة في التواصل العاطفي

بعض الرجال تربوا على كبت المشاعر، فيجدون صعوبة في التعبير عن الحب بالكلام أو المقدمات الرقيقة. قد يكون الحب موجوداً، لكن عدم القدرة على التعبير يجعله يبدو كالبرود.

4. مشاكل صحية أو نفسية غير معلنة

مثل الاكتئاب الخفيف، أو القلق، أو بعض المشاكل الجنسية التي تجعله يسرع في إنهاء العلاقة هرباً من مواجهة فشل محتمل في إرضاء زوجته لو طالت.

الآثار المدمرة: ماذا يخلف “الأقطن” في نفس الزوجة والعلاقة؟

تأثيره لا يقتصر على لحظة، بل يسمم العلاقة على المدى الطويل:

  • جرح الكرامة والشعور بالإهانة: تشعر الزوجة بعدم التقدير وأنها مجرد أداة.
  • برود عاطفي متبادل ونفور جسدي: تبدأ في تجنب العلاقة وتصاب بـ برود جنسي كرد فعل دفاعي.
  • تراكم المشاعر السلبية: يتحول إلى كراهية صامتة، واحتقار، وربما طلاق عاطفي.
  • تفكك الأسرة: العلاقة الحميمة هي أحد أهم روابط الاستقرار الأسري، وإفسادها يهدد البناء كله.

الحلول العملية: كيف نتعافى من هذا النمط ونبني علاقة صحية؟

العلاج ممكن، لكنه يحتاج إلى صبر، وفهم، وخطوات ذكية من الطرفين:

للزوجة: كيف تتصرفين بحكمة؟

  1. تجنبي الاتهام المباشر: عبارات مثل “أنت أقطن” أو “أنت بارد” تدفعه للدفاع والهجوم. استبدليها بـ “أنا” للتعبير عن مشاعرك: “أشعر بالحزن أحياناً لأننا لا نتكلم أو نقبل كالسابق”.
  2. ابدئي بالمداعبة غير المباشرة: أرسلي رسالة حب قصيرة خلال النهار، قومي بلمسة حانية، عبري عن تقديرك له في أمور أخرى. أعيدي إشعال الجانب العاطفي أولاً.
  3. اختاري الوقت المناسب للحوار: ليس بعد العلاقة مباشرة أو أثناء توتره. اجلسي في وقت هادئ واطلبي منه التحدث عن مشاعرك تجاه العلاقة بينكم، واسأليه عن مشاعره هو أيضاً.
  4. اقترحي قراءة مشتركة: قد يكون تقديم كتاب أو مقال عن أسرار العلاقة الزوجية في الإسلام (بطريقة غير موجهة) طريقة لينة لتوعيته.

للزوج: كيف تتغير إن كنت تدرك المشكلة؟

  1. التثقف الشرعي: اقرأ عن هدي النبي ﷺ في معاشرة أهله، وكيف كان يعاملهم. تذكّر أن إرضاء الزوجة في هذا الجانب من الحقوق الواجبة شرعاً، وهو من علامات كمال الرجولة.
  2. تعلم فن المقدمات (الملاعبة): العلاقة تبدأ من الصباح بكلمة طيبة، وابتسامة، ومساعدة. قبل المباشرة، الكلام، القبلة، واللمسة الحانية هي “الرسول” الذي أمر به الحديث.
  3. تواصل بعد العلاقة: لا تنصرف فوراً. احتضن، تكلم، استمع. هذه اللحظات هي التي تبني الأمان العاطفي.
  4. افتح قنوات الحوار: اسأل زوجتك بلطف عما يحلو لها، وما يشعرها بالراحة. جعلها شريكة في بناء علاقتكم الحميمة.
  5. راجع صحتك النفسية: إذا كنت تعاني من ضغوط أو اكتئاب، اطلب المساعدة المتخصصة. صحتك النفسية هي أساس صحتك الأسرية.

معاً: إعادة بناء جسر المودة

  • مواعيد زوجية أسبوعية: خصصا وقتاً للحديث والمشاركة بدون أطفال أو مشتتات.
  • تذكروا بدايات الحب: شاهدا ألبوم صور قديم، زورا مكاناً له ذكريات جميلة.
  • استشيرا مختصاً: إذا استعصى الحل، لا تترددا في اللجوء لمستشار أسري أو زواجي مسلم يفهم منظومتكم القيمية، ليساعد في فتح قنوات اتصال مهنية.

خاتمة: الأقطن عادة يمكن كسرها، والحب مهارة يمكن تعلمها

اكتشاف أن علاقتكما وقعت في نمط “الأقطن” ليس نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة من الوعي. الهدف من الحديث النبوي لم يكن إلقاء اللوم، بل توجيه الأمة نحو علاقة زوجية راقية، مليئة بالرحمة والمتعة المتبادلة. المشكلة ليست في الغريزة الطبيعية، بل في تحويل العلاقة الحميمة من طقس للتعبير عن الحب إلى فعل آلي خال من الروح. تذكّرا أن الزواج رباط مقدس، وأن استمراره يحتاج إلى تجديد دائم. ابدآ اليوم بكلمة حنان، أو اعتذار لطيف عن تقصير غير مقصود، أو مجرد إطالة في عناق. الاصلاح ممكن، والله تعالى يهدي إلى سبل السلام. المفتاح هو الرغبة الصادقة في التغيير، والشجاعة في مواجهة المشكلة معاً، كفريق واحد، وليس كخصمين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى