الرياضة لمرضى السرطان.. دراسة تكشف علاقتها بالبقاء

قد تتجاوز فوائد الرياضة لدى مرضى السرطان تحسين اللياقة البدنية وتخفيف التعب، إذ وجدت مراجعة علمية حديثة أن برامج التمارين الرياضية المنظمة ارتبطت بتحسن البقاء على قيد الحياة وانخفاض بعض مخاطر الوفاة لدى المرضى المشاركين في الدراسات. ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن الرياضة تضمن الشفاء أو أنها تحقق الفائدة نفسها لجميع أنواع السرطان ومراحله.

ماذا كشفت الدراسة عن الرياضة ومرضى السرطان؟

حللت مراجعة منهجية وتحليل تجميعي نُشرا في سبتمبر 2026، في المجلة البريطانية للطب الرياضي (British Journal of Sports Medicine)، نتائج 21 تجربة عشوائية شملت 8449 مشاركًا من البالغين المصابين بالسرطان.

وقارن الباحثون برامج رياضية منظمة بمجموعات ضابطة، وتضمنت التدخلات تمارين هوائية، وتمارين لتقوية العضلات، أو مزيجًا من النوعين.

وأظهرت النتائج ارتباط ممارسة التمارين المنظمة بتحسن مؤشرات البقاء على قيد الحياة، رغم أن حجم الفائدة قد يختلف بحسب ظروف المرضى والبرامج الرياضية المستخدمة.

هل تقلل الرياضة خطر الوفاة لدى مرضى السرطان؟

في تحليل شمل 11 تجربة و3828 مشاركًا، بلغت نسبة المخاطر للبقاء الكلي 0.77، مع فاصل ثقة تراوح بين 0.65 و0.92.

ويعني ذلك انخفاضًا نسبيًا بنحو 23% في معدل خطر الوفاة خلال فترة المتابعة لدى مجموعة التمارين مقارنة بالمجموعة الضابطة، وفق التحليل الإحصائي للدراسة.

لكن هذه النسبة لا تعني أن عمر كل مريض سيزداد بنسبة 23%، ولا تعني أن احتمال الوفاة لدى كل مريض انخفض بمقدار 23 نقطة مئوية. فالفرق الفعلي في النتائج يعتمد على عوامل عديدة، منها نوع السرطان ومرحلته والعلاج والحالة الصحية العامة.

ماذا عن البقاء دون عودة المرض؟

أظهر تحليل سبع تجارب شملت 5077 مشاركًا تحسنًا في البقاء الخالي من المرض، بنسبة مخاطر بلغت 0.83، وهو ما يعادل انخفاضًا نسبيًا بنحو 17% في معدل وقوع الأحداث التي احتسبها الباحثون ضمن هذا المؤشر.

ويشمل هذا المؤشر الأحداث المحددة في الدراسات، مثل عودة السرطان أو ظهور سرطان أولي جديد أو الوفاة، وفق تعريف كل تجربة. لذلك، لا يجوز تفسير النتيجة على أنها انخفاض بنسبة 17% في عودة السرطان وحدها.

وفي المقابل، لم تُظهر المراجعة تحسنًا ذا دلالة إحصائية في البقاء دون تقدم المرض. وهذا يوضح أن نتائج الدراسة ليست متطابقة في جميع المؤشرات المتعلقة بالسرطان.

ما أنواع التمارين التي تناولتها الدراسة؟

شملت البرامج الرياضية التي راجعها الباحثون أكثر من نمط من النشاط البدني، أبرزها:

  • التمارين الهوائية: مثل المشي والأنشطة التي ترفع معدل ضربات القلب، وفق قدرة المريض.
  • تمارين تقوية العضلات: وهي تمارين تستهدف تحسين القوة والقدرة العضلية.
  • التمارين المركبة: التي تجمع بين النشاط الهوائي وتمارين القوة.

وأشارت التحليلات الاستكشافية إلى نتائج إيجابية مع بعض البرامج، خصوصًا التمارين الهوائية والبرامج التي تجمع بين التمارين الهوائية وتمارين المقاومة. لكن هذه النتائج لا تكفي لتحديد برنامج واحد باعتباره الأفضل لجميع المرضى.

كما ظهرت نتائج أكثر إيجابية لدى المشاركين الذين التزموا بالبرامج الرياضية بدرجة أكبر، إلا أن هذه النتيجة تحتاج إلى تفسير حذر؛ لأن المقارنات المتعلقة بالالتزام قد تتأثر باختلاف الحالة الصحية والقدرة على مواصلة التمارين.

هل تستفيد جميع أنواع السرطان من الرياضة بالقدر نفسه؟

لا تزال الأدلة غير كافية لتحديد حجم الفائدة بدقة لدى كل نوع من أنواع السرطان ومراحله.

فقد شكل مرضى سرطان الثدي النسبة الأكبر من المشاركين في الدراسات المشمولة بالمراجعة، وهو ما يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع أنواع السرطان.

كذلك، لم تثبت التحليلات وجود اختلاف حاسم في تأثير الرياضة بين مجموعات المرضى المختلفة. ولا يعني ذلك أن الفائدة متساوية بالضرورة لدى الجميع، بل إن البيانات المتاحة لا تسمح بتحديد فروق مؤكدة في بعض هذه المقارنات.

وصنّف الباحثون درجة اليقين في النتائج الرئيسية بأنها متوسطة، بينما كانت الأدلة المتعلقة ببعض النتائج الأخرى، مثل البقاء دون تقدم المرض، أقل يقينًا.

كيف يمكن أن تساعد الرياضة خلال رحلة علاج السرطان؟

يمكن أن تدعم ممارسة النشاط البدني المناسب جوانب مهمة من صحة المريض، مثل القدرة البدنية وجودة الحياة والتعامل مع التعب المرتبط بالمرض أو العلاج.

ويبحث العلماء أيضًا في آليات بيولوجية محتملة قد تفسر العلاقة بين الرياضة ونتائج السرطان، من بينها تأثير النشاط البدني في الالتهاب ووظائف الجهاز المناعي والعمليات الأيضية.

لكن هذه التفسيرات لا تثبت وحدها الآلية التي أدت إلى تحسن مؤشرات البقاء في التحليل، وما زالت هناك حاجة إلى أبحاث إضافية لفهم هذه العلاقة بصورة أدق.

ما الاحتياطات اللازمة قبل ممارسة الرياضة؟

لا يناسب كل نشاط بدني جميع مرضى السرطان، إذ تختلف القدرة على ممارسة التمارين وفق نوع المرض ومرحلته والعلاج المستخدم والأعراض المصاحبة.

لذلك، يُنصح بمناقشة النشاط البدني مع الفريق الطبي المعالج، خصوصًا عند وجود مضاعفات أو ضعف شديد أو أعراض تؤثر في القدرة على الحركة. ويمكن تحديد نوع التمارين وشدتها ومدتها وفق الحالة الفردية، مع التدرج في النشاط عندما يسمح الوضع الصحي بذلك.

كما ينبغي عدم البدء ببرنامج رياضي مكثف اعتمادًا على نتائج الدراسة وحدها، وعدم إيقاف العلاج أو تغيير مواعيده أو جرعاته بسبب ممارسة الرياضة.

الخلاصة

تشير مراجعة علمية شملت 21 تجربة عشوائية و8449 مشاركًا إلى أن التمارين الرياضية المنظمة قد ترتبط بتحسن البقاء الكلي والبقاء الخالي من المرض لدى مرضى السرطان.

ورغم أن النتائج مشجعة، فإنها لا تضمن الفائدة لكل مريض، ولا تحدد برنامجًا رياضيًا مثاليًا لجميع أنواع السرطان. وتبقى الخطوة الأهم هي اختيار نشاط بدني مناسب بالتنسيق مع الفريق المعالج، بوصفه جزءًا داعمًا من الرعاية الشاملة، وليس بديلًا عن علاج السرطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى