“نت بلوكس” العزلة الرقمية في إيران: كيف تحول 528 ساعة من انقطاع الإنترنت إلى أداة حرب؟

في عصر أصبح فيه الإنترنت جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية، يعيش أكثر من 90 مليون إيراني أطول فترة انقطاع للإنترنت في تاريخ البلاد، حيث دخلت أزمة “نت بلوكس” أسبوعها الرابع وسط صمت رسمي مطبق. وفقًا لمرصد الإنترنت العالمي نت بلوكس (NetBlocks)، تجاوزت ساعات الانقطاع حاجز 528 ساعة، مما حول البلاد إلى جزيرة معزولة رقميًا في وقت تشتد فيه الحرب وتتفاقم فيه الأزمات الإنسانية. في هذا المقال، سنكشف كيف تحولت البنية التحتية للإنترنت إلى سلاح في الصراع، ونستعرض تداعيات هذه العزلة على الاقتصاد وحياة المواطنين اليومية، ونحلل الأبعاد القانونية والإنسانية لهذا القرار.

“نت بلوكس” ترصد الأرقام: من انقطاع جزئي إلى انهيار كامل

بدأت القصة مع تصاعد العمليات العسكرية نهاية فبراير الماضي، حيث سجل مرصد نت بلوكس انخفاضًا حادًا في الاتصال بالإنترنت إلى حوالي 1% فقط من المستويات الطبيعية . لكن سرعان ما تطور الوضع ليشمل انهيارًا كاملًا للشبكة المتبقية. وفقًا للمنظمة المتخصصة في مراقبة حركة الإنترنت العالمية، فإن جزء الاتصال الذي كان لا يزال يعمل بنسبة 1% قد انقطع تمامًا، مما يؤكد تقارير عن عدم استقرار داخلي في الشبكة الوطنية للمعلومات الإيرانية .

هذا الانقطاع لم يكن مجرد عطل تقني، بل هو قرار ممنهج جعل إيران تحتل مرتبة متقدمة بين دول العالم الأكثر تطبيقًا لسياسات الإغلاق الرقمي. ويشير الخبراء إلى أن هذا الإغلاق الحالي يعتبر الأطول في تاريخ البلاد، حيث كسر الرقم القياسي السابق المسجل خلال احتجاجات يناير 2026 .

أسبوع رابع من العزلة: 528 ساعة من الصمت القسري

مع دخول الأسبوع الرابع، تجاوزت ساعات الانقطاع 528 ساعة متواصلة، مما جعل المواطنين الإيرانيين يعيشون في عزلة رقمية غير مسبوقة . هذا العدد الضخم من الساعات يعني أن البلاد قضت ثلث عام 2026 بالكامل خارج نطاق الخدمة العالمية للإنترنت .

هذه المدة الطويلة من الانقطاع، والتي تمتد لأكثر من 23 يومًا متتاليًا، تجاوزت بكثير فترات الإغلاق السابقة التي كانت تقتصر عادةً على أيام أو أسابيع قليلة. ويعني ذلك أن جيلًا كاملًا من الإيرانيين، وخاصة الشباب، قد حُرم من حقهم في الوصول إلى المعلومات والتواصل مع العالم الخارجي لفترة طويلة قياسية.

كيف يستخدم الإنترنت كسلاح في زمن الحرب؟

يكشف مرصد نت بلوكس وغيره من مراقبي الإنترنت عن تحول جذري في طريقة تعامل السلطات الإيرانية مع الإنترنت. لم يعد الانقطاع مجرد إجراء أمني مؤقت، بل تحول إلى أداة حرب شاملة تهدف إلى فرض سيطرة كاملة على السردية الإخبارية ومنع تسرب أي معلومات لا تتوافق مع الرواية الرسمية .

أحد أبرز ملامح هذه الاستراتيجية هو ازدواجية المعايير في تطبيق الإغلاق. فبينما يُحرم 99% من المواطنين من الوصول إلى الشبكة العالمية، يستمر المسؤولون رفيعو المستوى ووسائل الإعلام الحكومية في النشر عبر منصات التواصل الاجتماعي بحرية . هذا المشهد “الأورويلي” يخلق شعورًا بالغبن والمراقبة، حيث يهدد مقدمو خدمات الاتصالات المستخدمين الذين يحاولون الالتفاف على الإغلاق بعواقب قانونية .

الأضرار الاقتصادية: انهيار التجارة الإلكترونية وضياع الملايين

بعيدًا عن الجانب السياسي، فإن تداعيات انقطاع نت بلوكس على الاقتصاد الإيراني كانت كارثية وبلا شك. ففي بلد يعتمد فيه أكثر من 500 ألف متجر على منصة إنستغرام وحدها كمصدر رئيسي للدخل، فإن انعدام الاتصال يعني توقفًا تامًا للنشاط التجاري .

تشير التقديرات إلى أن قطاع الاقتصاد الرقمي في إيران كان يدر حوالي 30 تريليون ريال (ما يعادل 42 مليون دولار) يوميًا قبل الإغلاق. ولكن مع انقطاع الخدمة، انخفضت الإيرادات في بعض القطاعات بنسبة تتراوح بين 50% و90%، بينما وصلت خسائر المتاجر المعتمدة على إنستغرام إلى 100% .

القصص الإنسانية خلف هذه الأرقام أكثر قسوة، فربات بيوت فقدن مصدر دخلهن الوحيد، وعمال تم تسريحهم، وصناع محتوى وحرفيون وجدوا أنفسهم بلا عمل. إحدى بائعات الملابس في طهران قالت لموقع “ديدبان إيران”: “أنا مفلسة”، بعد أن اضطرت للتخلي عن جميع عمالها وبيع ماكينات الخياطة الخاصة بها .

العزلة الرقمية والإنسانية: “نشعر وكأننا محاصرون بالاختناق”

ربما تكون الآثار الإنسانية والنفسية هي الأكثر إيلامًا في هذه الأزمة. يتزامن هذا الانقطاع الطويل مع احتفالات عيد النوروز (رأس السنة الفارسية)، وهو وقت مفترض للتواصل العائلي والتجديد والفرح . لكن العزلة الرقمية حولت هذه المناسبة إلى فرصة ضائعة للتواصل مع الأحبة، خاصة مع تقييد السفر أيضًا بسبب الحرب.

وصف أحد الناشطين في مجال الحقوق الرقمية من طهران الوضع قائلاً: “إن الافتقار إلى المعلومات الدقيقة وغياب التواصل العام المباشر جعلنا نشعر وكأننا محاصرون بالاختناق والصمت” . هذا الشعور بالعزلة يتفاقم بسبب عدم القدرة على الوصول إلى التحذيرات المبكرة أو التواصل مع الأقارب في المناطق المتضررة من القصف، مما يهدد سلامة المواطنين بشكل مباشر .

موقف المجتمع الدولي: انتهاك صريح للقانون الدولي

لم تمر هذه الانتهاكات مرور الكرام على المستوى الدولي. فقد أصدر تحالف حرية الإنترنت (Freedom Online Coalition)، الذي يضم أكثر من 25 دولة من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وكندا، بيانًا مشتركًا أدان فيه بشدة إغلاق الإنترنت في إيران .

البيان، الذي صدر في وقت سابق من العام، اعتبر أن قطع خدمات الاتصالات يشكل انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية، ولا سيما المواد 19 و21 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تعتبر إيران طرفًا فيه . وأكدت الدول الموقعة أن هذه الإجراءات لا تحرم المواطنين من حقهم في التعبير فحسب، بل تعطل أيضًا الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والخدمات المالية، وتحد من قدرة الصحفيين على توثيق الانتهاكات.

 مستقبل مجهول في ظل العزلة الرقمية

بينما تستمر أزمة نت بلوكس في إيران لأكثر من 528 ساعة، تبقى التداعيات بعيدة المدى غير واضحة المعالم. ما بدأ كإجراء أمني في زمن الحرب تحول إلى أزمة إنسانية واقتصادية عميقة، تعزل الملايين عن العالم وتقوض مستقبل الاقتصاد الرقمي للبلاد. الأسئلة تبقى معلقة: متى ستعود الخدمة؟ وهل سيكون هناك تعويض عن الخسائر الفادحة؟ لكن المؤكد أن هذه العزلة الطويلة ستترك ندوبًا عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية الإيرانية لسنوات قادمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى