
في خضم الحرب المستعرة بين إسرائيل وإيران، والتي تدخل يومها التاسع عشر على التوالي، تتصاعد وتيرة الأخبار المتضاربة على منصات التواصل الاجتماعي، ويبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل يتردد بقوة: هل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على قيد الحياة أم أنه فارق الحياة في صمت؟ وما حقيقة المشاهد المتداولة التي تظهره طريح الفراش في لحظاته الأخيرة؟
شائعة الاغتيال تعود من جديد
منذ أيام، انطلقت شائعات قوية من مصادر متعددة، بعضها مرتبط بوسائل إعلام مقربة من طهران، تزعم أن نتنياهو قد لقي حتفه أو أصيب بجروح خطيرة في ضربة صاروخية إيرانية دقيقة. هذه الادعاءات ترافقت مع مقاطع فيديو وصور مثيرة للجدل تم تداولها على نطاق واسع، مما خلق حالة من الترقب والغموض حول مصير الرجل القوي في إسرائيل .
في وقت سابق، أطلق الحرس الثوري الإيراني تهديداً مباشراً، مؤكداً أنه سيستمر في ملاحقة نتنياهو ويقتله إذا ما زال على قيد الحياة، وذلك مع تنفيذ الموجات الهجومية المتتالية من عملية “الوعد الصادق 4” .
الفيديو المزعوم للحظة الاحتضار.. ما حقيقته؟
تزامنت هذه الشائعات مع انتشار فيديو صادم على منصات التواصل، يُزعم أنه يصور نتنياهو على سرير المستشفى في لحظاته الأخيرة، وهو في وضع مأساوي يظهر عليه التعب والإرهاق. المشاهد المروعة أثارت موجة من التعليقات والتحليلات، حيث انقسم المتابعون بين مصدق ومكذب.
لكن التحقيق في مصدر هذا الفيديو كشف مفاجأة صادمة: الفيديو المتداول هو عبارة عن مشاهد قديمة أو مقاطع مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تم إعادة تداولها خارج سياقها الأصلي بهدف تضليل الرأي العام. وبالمقابل، ظهر فيديو آخر لنتنياهو عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، ظهر فيه وهو يحتسي القهوة في مقهى هادئ بضواحي القدس، في محاولة واضحة لنفي هذه الشائعات .
في الفيديو، يسأل مساعد نتنياهو: “ماذا تقول عن الشائعات التي تزعم أنك مت؟”. فرد نتنياهو بعبارة تعتمد على التلاعب بالألفاظ في اللغة العبرية: “أنا أموت من أجل القهوة… أتدري؟ أنا أموت من أجل شعبي” .
لغز الأصابع الستة.. بين الحقيقة والتزييف
ما زاد من حدة الجدل هو ظهور نتنياهو في بعض اللقطات وكأن يده تحمل ستة أصابع، مما دفع الكثيرين للادعاء بأن الفيديو مُصنع بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي. نظريات المؤامرة لم تتوقف عند هذا الحد، حيث زعم البعض أن الصورة غير طبيعية، وأن رغوة القهوة تبدو غريبة، بل ذهب البعض إلى القول إن الشخص الظاهر هو مجرد بديل جسدي لنتنياهو الحقيقي.
لكن وكالة رويترز العالمية تدخلت لتحسم الجدل، حيث تمكنت من التحقق من مكان التصوير ومطابقته مع صور قديمة للمقهى نفسه. كما أن المقهى نفسه نشر صوراً متعددة لزيارة نتنياهو في نفس اليوم. بالنسبة للأصابع الستة، فسر الخبراء ذلك بأنه مجرد وهم بصري ناتج عن زاوية التصوير، أو أن بعض المقاطع المتداولة هي نسخ معدلة رقمياً من الفيديو الأصلي .
نفي رسمي أم تضليل إعلامي؟
في مواجهة هذه العاصفة من الشائعات، تدخل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ليصدر بياناً مقتضباً عبر وكالة الأناضول التركية، نفى فيه بشكل قاطع الأنباء المتداولة عن اغتيال نتنياهو، مؤكداً أن هذه أخبار كاذبة وأن رئيس الوزراء بخير.
اللافت للنظر أن البيان الرسمي اقتصر على نفي الخبر دون تقديم أي دليل ملموس على سلامة نتنياهو، لكن الفيديو الذي نشره بنفسه كان بمثابة الرد الأقوى. وفي الفيديو، التفت إلى الكاميرا قائلاً: “أتريد أن تعد أصابعي؟ تفضل… ها هي يدي اليمنى، ها هي اليسرى. شاهدت؟ رائع!” .
السياق العسكري.. حرب مفتوحة ومعركة سرديات
تأتي هذه الشائعات في وقت تشن فيه إسرائيل والولايات المتحدة حملة عسكرية واسعة على إيران منذ 28 فبراير الماضي، تستهدف البنية التحتية ومواقع عسكرية، بينما ترد طهران بصواريخها ومسيراتها على عمق إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة . في هذه الأجواء المشحونة، تصبح حياة القادة هدفاً للشائعات قبل الصواريخ، ويصبح الفصل بين الحقيقة والإشاعة أمراً بالغ الصعوبة.
منذ بدء الحرب، زار نتنياهو ما لا يقل عن مدينتين تعرضتا لقصف بالصواريخ الإيرانية، بالإضافة إلى مستشفى وميناء وقواعد عسكرية، لكن التغطية الإعلامية لهذه الزيارات كانت محدودة للغاية أو منعدمة، واقتصر الأمر على مقاطع مصورة وزعها مكتبه. كما عقد نتنياهو أول مؤتمر صحافي له منذ بدء الحرب عبر اتصال بالفيديو الخميس الماضي، وهو أسلوب مشابه لما استخدمه في يونيو 2025 خلال حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوماً مع إيران .
من نصدق في زمن الحرب؟
بين الإعلان الإيراني المتكرر عن استهداف القادة، والنفي الإسرائيلي الرسمي عبر بيانات مكتوبة وفيديوهات مسجلة، يبقى المشهد ضبابياً. الفيديو المزعوم للحظة احتضار نتنياهو على سرير المستشفى تبين أنه مجرد شائعة مفبركة، والظهور الحقيقي له وهو يحتسي القهوة يؤكد أنه ما زال على قيد الحياة.
لكن الدرس الأهم الذي نتعلمه من هذه القصة هو أنه في زمن الحرب، تكون الحقيقة أول الضحايا. في عصر الذكاء الاصطناعي والفيديوهات المفبركة، أصبح من السهل جداً خلق شائعة وتدمير مصداقية أي فيديو. الأصابع الستة لم تكن موجودة في الأصل، لكنها أصبحت “دليلاً” على التزييف. رغوة القهوة الغريبة أصبحت “دليلاً” على الخداع.
لهذا، يجب أن نعتمد على المصادر الموثوقة ووكالات الأنباء العالمية التي تمتلك القدرة على التحقق والتأكد. ردود الفعل الرسمية، مثل الفيديو الذي نشره نتنياهو، هي أفضل دليل على صحة المعلومات.
في النهاية، أثبت هذا الفيديو أن نتنياهو ليس حياً فقط، بل هو في كامل قوته، يقود معركة عسكرية وسياسية في آن واحد، ويجد الوقت أيضاً ليسخر من أعدائه ومن يشككون في حياته. وكما قال في نهاية الفيديو رافعاً كوب القهوة: “لخاييم” (للعمر).
هذا المقال يعتمد على مصادر إخبارية موثوقة وتحقيقات وكالات الأنباء العالمية، مع التأكيد على أهمية التحقق من المعلومات في زمن الحرب وانتشار الشائعات.





