
في لحظة تاريخية استثنائية، حبس المراقبون للشأن الإيراني أنفاسهم مع بروز اسم “مجتبى خامنئي” كلاعب محوري في مشهد انتقال السلطة. جاء ذلك تزامناً مع إعلان الوصية التي دوّنها والده قبل وفاته بيومين فقط، والتي صدمت العالم بمحتواها الأيديولوجي العميق.
قبل ساعات قليلة من ترجيح تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى خلفاً لوالده، كشف محسن حيدري، عضو مجلس خبراء القيادة، أن الوصية نصت حرفياً على ضرورة أن يكون الخليفة “مكروهاً من الأعداء”. هذه الصيغة التي اختارها المرشد الراحل لم تكن مجرد وصية سياسية عابرة، بل كانت تزكية مباشرة لنجله لقيادة مرحلة تتسم بالعداء المطلق مع محيط يراه النظام عدواً منذ عام 1979.
صعود مجتبى خامنئي إلى قمة الهرم القيادي يضع العالم أمام تساؤلات مصيرية: كيف ستكون طبيعة المرحلة المقبلة؟ وكيف سيواجه هذا الرجل الإرث الثقيل لوالده في ظل عزلة دولية وحروب إقليمية طاحنة؟
فلسفة العداء.. لماذا وقع الاختيار على مجتبى؟
تختصر وصية المرشد الإيراني أيديولوجية نظام يرى في الكون عدواً، وهي البيئة ذاتها التي نشأ وتشكل فيها مجتبى خامنئي بعيداً عن الأضواء لسنوات طويلة. يوضح المحللون أن اشتراط أن يكون المرشد “مكروهاً من الأعداء” هو اعتراف صريح بأن مجتبى خامنئي سيسير على نهج التصلب والتشدد، رافضاً أي صيغ للحوار أو التهدئة مع الغرب.
من منظور النظام، يمثل مجتبى خامنئي الاستمرارية لثورة لا تؤمن بالأصدقاء أو الحلفاء إلا من خلال “قصائد الغزل” السياسية التي تتنقل بين العواصم الموالية أيديولوجياً. هذا التوجه يجعله الحارس الجديد لولاية الفقيه في أكثر لحظاتها حرجاً وتحدياً.
خرافة التحالفات.. ومواجهة الواقع المرير
يجد مجتبى خامنئي نفسه اليوم أمام واقع جيوسياسي معقد. فبينما يروج النظام لتحالفات مثل “منظمة شنغهاي” و”مجموعة البريكس”، يرى الواقع أنها لا تزيد عن كونها “خرافات سياسية” كرتونية لم تقدم دعماً حقيقياً لإيران في حروبها الإقليمية.
التحدي الأكبر أمام المرشد الجديد هو إدارة دولة تكاد الحرب أن تقضي على مفاصلها، بينما يلتزم “الحلفاء” المزعومون بالصمت أو البيانات الهزيلة. مجتبى خامنئي، بصفته الخليفة المحتمل، يدرك أن الحلف الذي يُقاس ببيانات الشجب لن ينقذ طهران من أزماتها الاقتصادية الخانقة، مما يضعه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في سياسة العزلة، أو ابتكار صيغة جديدة للتحالفات تضمن بقاء النظام.
طعنات الأصدقاء.. ما كشفه ظريف وتأثيره على العهد الجديد
لاستشراف مستقبل عهد مجتبى خامنئي، من الضروري استعادة ما كشفه محمد جواد ظريف حول الدور الروسي في إفشال الاتفاق النووي عام 2015. هذه الحقائق المرة تؤكد أن المرشد الجديد سيرث نظاماً لا يثق حتى في أقرب شركائه.
تسريب الحوار السري لظريف في إبريل 2021 كان يهدف بوضوح إلى حرق الجناح المعتدل وتمهيد الطريق للأصوليين، وهي العملية التي انتهت ببروز مجتبى خامنئي كخيار وحيد وقوي. وهو يدرك الآن أن السياسة الإيرانية لا تُصنع في أروقة الخارجية، بل في الغرف المغلقة للحرس الثوري ومجلس خبراء القيادة، حيث الولاء المطلق للوصية التي ترفض أي تقارب مع العالم الخارجي.
الحرس الثوري.. تحالف المصير المشترك
يعتبر مجتبى خامنئي الشخصية الأكثر قرباً من قيادات الحرس الثوري الإيراني، وهو ما منحه الأفضلية في سباق الخلافة. يرى القادة العسكريون فيه القائد القادر على الحفاظ على “تصدير الثورة” ودعم الأذرع الإقليمية رغم الضغوط الدولية.
هذا التحالف الوثيق يجعل من مجتبى خامنئي مرشداً بصبغة عسكرية غير معلنة، حيث تندمج المصالح الاقتصادية للحرس مع القرار السياسي للمرشد. التوريث الذي يمثله ليس مجرد انتقال عائلي للسلطة، بل هو عملية تحصين للنظام ضد أي رياح تغيير قد تهب من الداخل أو الخارج، مما يضمن بقاء القبضة الحديدية للولاية.
صدمة الوصية.. وردود الفعل العالمية
عندما أعلن مجتبى خامنئي فحوى وصية والده، اهتزت العواصم الكبرى تخوفاً من المرحلة المقبلة. لم يتوقع العالم أن يكتب المرشد وصيته بروح “الإحساس بموعد الوفاة”، وكأنه يغلق الأبواب أمام أي دبلوماسية مستقبلية.
تباينت ردود الفعل على صعوده بين القلق الغربي والترقب الإقليمي، حيث يُنظر إليه كشخصية غامضة وحازمة في آن واحد. صدمة العالم من الوصية نابعة من إدراك الجميع أن مجتبى خامنئي قد لا يكون مجرد نسخة من والده، بل قد يكون النسخة الأكثر تشدداً وتصادماً، مما ينذر بجولات جديدة من الصراع في الشرق الأوسط.
الاقتصاد الإيراني في العهد الجديد.. هل من مخرج؟
يرث مجتبى خامنئي اقتصاداً منهكاً تحت وطأة العقوبات وسوء الإدارة. التحدي الشعبي الأكبر يكمن في مدى قدرته على إطعام الملايين الذين ضاقوا ذرعاً بإنفاق مقدرات البلاد على الحروب الخارجية.
يرى الخبراء أن شرعية المرشد الجديد ستكون على المحك إذا لم يستطع تقديم حلول معيشية ملموسة. وبينما تنص الوصية على العداء، يطالب الداخل بالرخاء، وهذا التناقض هو الذي سيحدد مصير حكمه. فهل سيتمكن من الحفاظ على أيديولوجيا “العداء للعالم” بينما ينهار السوق العملي في طهران؟ الإجابة ستظهر في القرارات الاقتصادية الأولى التي سيتخذها.
نهاية “خرافة” التحالفات الكرتونية
مع تعيين مجتبى خامنئي، قد تنتهي مرحلة المداهنة مع التحالفات الدولية غير المجدية. هو يميل إلى “الواقعية الثورية”، مما قد يدفعه للاعتماد الكلي على القوى الداخلية وتفعيل “اقتصاد المقاومة” بأقصى درجاته.
تلاشي أثر منظمة شنغهاي والبريكس في الأزمات الإيرانية الحالية قد يدفعه لإعادة تعريف السياسة الخارجية لتصبح أكثر انغلاقاً وتحصناً. بالنسبة له، الصديق الحقيقي هو “السلاح” وليس “البيان السياسي”، وهي القناعة التي ستشكل ملامح السياسة الدفاعية الإيرانية في السنوات القادمة.
عهد المجهول الذي ينتظر الجميع
في الختام، يمثل صعود مجتبى خامنئي إلى قمة السلطة في إيران فصلاً جديداً من فصول الصراع المستمر منذ عقود. وصية والده لم تكن مجرد كلمات، بل كانت “خريطة طريق” لمستقبل يلفه الغموض والتوتر.
يقف مجتبى خامنئي الآن وحيداً في مواجهة “عالم من الأعداء” كما وصفته الوصية، محملاً بإرث من الأزمات والحروب. الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كان سيتمكن من قيادة السفينة الإيرانية إلى بر الأمان، أم أن التمسك بروح الوصية سيقود البلاد نحو مواجهة كبرى لا تحمد عقباها.
الأكيد أن اسم مجتبى خامنئي سيبقى محفوراً في ذاكرة التاريخ الإيراني كشخصية أثارت الجدل والصدمة في آن واحد.
المصادر: تقارير مجلس خبراء القيادة الإيراني، مذكرات محمد جواد ظريف المسربة، وتحليلات مركز دراسات الشرق الأوسط (2026).





