” جماع الأقطن “.. مفهوم تربوي نبوي يحمي العلاقة الزوجية من التوتر

في توجيهاته التي تنظّم الحياة الأسرية وتُرسّقها بمبادئ الأخلاق والرحمة، قدم النبي محمد ﷺ إرشادات دقيقة للعلاقة الحميمة بين الزوجين. ومن بين هذه التوجيهات يأتي الحديث عن “جماع الأقطن”، وهو مفهوم يثير فضول الكثيرين، حيث أن فهمه الصحيح يتجاوز التفسير الحرفي ليصل إلى أعماق الفلسفة النبوية في بناء علاقة زوجية سليمة ومستقرة.

على عكس ما قد يظنه البعض، فإن هذا المصطلح لا يحمل في طياته تحريماً مطلقاً، بل هو توجيه أخلاقي وتربوي يهدف إلى تحقيق كمال المودة والرحمة بين الزوجين. في هذا المقال، سنتعمق معاً في المعنى الحقيقي لـ “جماع الأقطن” كما ورد في السنة النبوية.

ما المقصود بـ “جماع الأقطن” في الحديث النبوي؟

لم يرد ذكر “جماع الأقطن” بشكل مباشر في الأحاديث المتداولة في الكتب الصحاح مثل صحيحي البخاري ومسلم. يشير التحليل اللغوي والفحص في مصادر الفقه إلى أن المصطلح قد يكون مزيجاً من كلمتي “الجماع” و”الأَقْطَن”، والتي قد تشير في بعض الاستخدامات النادرة أو اللهجية إلى شيء مرتبط بالظهر أو العمود الفقري (مشتقة من القَطَن)، أو قد تكون تحريفاً أو خطأ في النقل لمصطلح آخر.

لذلك، من الأصح البحث عن الروح العامة للتوجيهات النبوية التي تنظّم العلاقة الحميمة بين الزوجين، والتي تحث على الكرامة والاحترام المتبادل وتجنب كل ما قد يسبب أذى أو امتهاناً لأي من الطرفين.

التوجيهات النبوية: روح التشريع وغاية الحكمة

بدلاً من التركيز على مصطلح غير ثابت، يمكننا فهم المقصد النبوي السامي من خلال التوجيهات الثابتة والأخلاقيات التي حث عليها الإسلام في العلاقة الزوجية:

  • العدل والمساواة في المعاملة: كما جاء في الحديث عن حقوق المسلم العامة: “حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ…” . هذا المبدأ الأخلاقي العام ينطبق بقوة على العلاقة بين الزوجين، حيث يكون النصح المتبادل والاستجابة والاحترام هي الأساس.
  • استشعار مراقبة الله: عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: “الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ” . هذا الحديث يضع ميزاناً دقيقاً لأي فعل، شامل العلاقة بين الزوجين؛ فما قد يكون مقبولاً في إطار الحلال قد يصبح مذموماً إذا كان يتنافى مع حسن الخلق أو الأسباب الشعور بالذنب أو الخجل.
  • المشورة والخُلُق الحسن: أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالمشورة في قوله: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ” (آل عمران:159). هذه القيمة هي عماد العلاقة الزوجية الناجحة، حيث أن القرارات المتعلقة بالحياة الحميمة يجب أن تقوم على التراضي والتفاهم، وليس الإكراه أو الإذلال.

العلاقة الزوجية في الإسلام: مودة ورحمة وليست مجرد إشباع غريزي

الزواج في الإسلام هو ميثاق غليظ وعلاقة تكاملية تقوم على السكن والمودة والرحمة. النهي عن أي سلوك – مثل المفهوم الخاطئ لـ “جماع الأقطن” – يأتي في إطار الحفاظ على هذه القيم السامية:

  • الحفاظ على الكرامة الإنسانية: يحرص الإسلام على أن تظبل العلاقة الحميمة مصدراً للمتعة المتبادلة والاطمئنان النفسي للزوجين، بعيداً عن أي ممارسة قد تحط من كرامة أحدهما أو تسبب له الألم النفسي أو الجسدي.
  • تحقيق المساواة العاطفية: العلاقة الصحية هي التي يشعر فيها كلا الطرفين بالأمان والرضا، وهو ما يتعارض مع أي فعل يتسم بالأنانية أو الإهمال لمشاعر الطرف الآخر.

شاهد ايضا:- اوقات يحرم فيها الجماع بين الزوجين وفق الشريعة الإسلامية

خاتمة

من الحكمة الإلهية أن التوجيهات النبوية تهدف دائماً إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد في حياة الإنسان. لذا، بدلاً من الانشغال بمصطلحات قد تكون غير دقيقة، ينبغي على الأزواج التركيز على جوهر التعاليم الإسلامية في العلاقة الزوجية، والتي تحث على المودة (البر وحسن الخلق) والاحترام (النصح والمشورة) والرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى