
انتشرت خلال الأيام الماضية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم أن الباحث الهولندي فرانك هوجريتس توقّع وقوع زلزال قوي في مصر، وأن الزلزال الذي ضرب البلاد فجر 3 أغسطس 2026 جاء تأكيدًا لتوقعاته. لكن مراجعة ما نشره هوجريتس والجهة التي يعمل من خلالها تكشف أن هذه الادعاءات تتضمن قدرًا من المبالغة والخلط بين التوقع العام والتنبؤ الدقيق بوقوع الزلازل.
وكان زلزال قد ضرب مناطق في مصر فجر 3 أغسطس، وبلغت قوته وفق بيانات الشبكة القومية للزلازل في مصر 5.6 درجة، بينما سجلت مؤسسات دولية تقديرات مختلفة للقوة. ووقع الزلزال شمال مدينة السويس، وشعر به سكان القاهرة وعدد من المحافظات.
ماذا قال فرانك هوجريتس قبل زلزال مصر؟
أثارت منشورات نُسبت إلى فرانك هوجريتس جدلًا واسعًا بعد الزلزال، خصوصًا بعدما ربط مستخدمون على مواقع التواصل بين ما نشره الباحث قبل وقوع الزلزال وبين الحدث الذي شهدته مصر.
وبحسب ما ورد في المادة الأصلية، كان هوجريتس قد تحدث في نهاية يوليو عن احتمال تزايد النشاط الزلزالي في منطقة البحر المتوسط. إلا أن هذا الطرح، حتى في حال ثبوت نشره بهذه الصيغة، لا يعني أنه حدّد مصر باعتبارها موقع الزلزال، أو حدد موعدًا دقيقًا لوقوعه، أو أعلن قوة معينة للحدث.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن بعض المنشورات المتداولة أعادت تفسير حديث عام عن منطقة جغرافية واسعة باعتباره توقعًا محددًا لزلزال في مصر، ثم اعتبرت وقوع زلزال بالفعل دليلًا على صحة ذلك التوقع.
هل ذكر هوجريتس مصر أو حدّد زلزالًا بقوة معينة؟
تشير المعلومات الواردة في النص الأصلي إلى أن فريق SSGEOS نفى أن يكون هوجريتس قد حدد مصر بشكل مباشر، أو أعلن مسبقًا عن وقوع زلزال محدد فيها بقوة أو توقيت معلوم.
كما أن موقع SSGEOS نفسه يوضح أن هوجريتس يستخدم حساباته الرسمية للتواصل مع الجمهور، ويحذر من الحسابات والمواقع التي تنتحل صفته أو صفة المؤسسة.
وبالتالي، فإن وقوع زلزال في مصر بعد منشور يتحدث بصورة عامة عن نشاط زلزالي محتمل في منطقة البحر المتوسط لا يكفي وحده لإثبات أن صاحبه تنبأ بالزلزال بالمعنى العلمي الدقيق.
ماذا حدث في مصر فجر 3 أغسطس؟
وقع الزلزال في نحو الساعة الثالثة فجرًا بالتوقيت المحلي يوم 3 أغسطس 2026، وشعر به سكان القاهرة ومحافظات مصرية أخرى.
وأفاد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر بأن قوة الزلزال بلغت 5.6 درجة، بعد أن جرى تحديث التقدير الأولي للقوة. وذكرت بيانات رسمية أن مركز الزلزال كان بالقرب من منطقة خليج السويس.
وفي المقابل، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قوة الزلزال بنحو 5.0 درجات، وهو اختلاف يمكن أن يحدث بين المؤسسات الزلزالية بسبب اختلاف طرق التحليل والبيانات المستخدمة في تقدير قوة الحدث.
هل يستطيع العلماء التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها؟
هنا تظهر النقطة الأهم في القضية. فحتى الآن، لا يستطيع العلماء التنبؤ بوقوع زلزال محدد بصورة موثوقة قبل حدوثه، إذا كان المقصود بالتنبؤ تحديد الزمان والمكان والقوة مسبقًا.
وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن التنبؤ الحقيقي بالزلزال يجب أن يتضمن ثلاثة عناصر رئيسية: تاريخ ووقت وقوع الزلزال، وموقعه، وقوته. ولم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد هذه العناصر الثلاثة لزلزال معين بطريقة موثوقة وقابلة للتكرار.
ولهذا، فإن القول إن منطقة واسعة قد تشهد نشاطًا زلزاليًا لا يساوي علميًا القول إن زلزالًا محددًا سيقع في دولة معينة وفي يوم أو ساعة محددة.
ما الفرق بين التنبؤ بالزلازل والتوقعات الاحتمالية؟
يحدث كثير من الالتباس بسبب استخدام كلمة «توقع» لوصف أنواع مختلفة من المعلومات الزلزالية.
التنبؤ بالزلزال يعني تحديد مكان ووقت وقوة زلزال مستقبلي بصورة مسبقة، وهو أمر لا يستطيع العلم تحقيقه حاليًا بشكل موثوق.
أما التوقعات أو التقديرات الاحتمالية، فتستند إلى دراسة السجل الزلزالي والظروف الجيولوجية ومعدلات حدوث الزلازل، ويمكن من خلالها تقدير احتمال وقوع زلزال في منطقة معينة خلال فترة زمنية محددة. وهذا يختلف عن تحديد يوم أو ساعة وقوع زلزال بعينه.
على سبيل المثال، يمكن للعلماء تحديد مناطق ترتفع فيها احتمالات النشاط الزلزالي على المدى الطويل، لكن ذلك لا يعني أن زلزالًا محددًا سيقع حتمًا في تلك المنطقة في موعد معين.
الإنذار المبكر لا يعني التنبؤ بالزلزال
هناك مفهوم ثالث يختلط أحيانًا بالتنبؤ، وهو الإنذار المبكر للزلازل.
الإنذار المبكر لا يصدر قبل بدء الزلزال، وإنما يعمل بعد أن يبدأ الحدث بالفعل. وتلتقط أجهزة الاستشعار الموجات الزلزالية الأولى، ثم تُحلل البيانات بسرعة لإرسال تحذيرات إلى بعض المناطق قبل وصول موجات الاهتزاز الأقوى إليها.
وقد يمنح هذا النظام بعض الأشخاص والأنظمة الآلية ثواني أو عشرات الثواني لاتخاذ إجراءات وقائية، بحسب المسافة عن مركز الزلزال وسرعة وصول الإشارة. لكنه لا يستطيع معرفة وقوع الزلزال قبل أن يبدأ.
لماذا تنتشر مثل هذه الادعاءات بعد وقوع الزلازل؟
عادةً ما تزداد إعادة نشر التوقعات السابقة بعد وقوع حدث زلزالي، خصوصًا عندما يكون هناك منشور يتحدث بصورة عامة عن احتمال زيادة النشاط في منطقة واسعة.
وفي هذه الحالة، قد يعاد تفسير المنشور القديم بعد وقوع الزلزال وربطه بالحدث الجديد، رغم أن العبارات الأصلية ربما لم تحدد الدولة أو الموقع أو التوقيت أو القوة.
ولهذا تؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الادعاءات التي لا تحدد العناصر الأساسية الثلاثة للتنبؤ بالزلزال لا يمكن اعتبارها تنبؤًا علميًا دقيقًا، حتى لو وقع زلزال لاحقًا يتوافق جزئيًا مع وصف عام سابق.
الخلاصة
لا تدعم المعلومات المتاحة وصف ما نُشر عن فرانك هوجريتس باعتباره تنبؤًا دقيقًا بزلزال مصر، ما لم يتضمن المصدر الأصلي تحديد مصر وموعد الزلزال وقوته بصورة مسبقة وواضحة.
صحيح أن هوجريتس تحدث قبل زلزال 3 أغسطس عن احتمال زيادة النشاط الزلزالي في منطقة أوسع، لكن ربط ذلك مباشرة بزلزال مصر وتقديمه باعتباره توقعًا محددًا للحدث يحتاج إلى أدلة أوضح من مجرد التشابه الزمني بين المنشور والزلزال.
وفي المقابل، تؤكد المراجع العلمية الرسمية أن التنبؤ الدقيق بالزلازل، بمعنى تحديد مكانها ووقتها وقوتها مسبقًا، غير متاح حاليًا بصورة موثوقة. لذلك من المهم التمييز بين التوقعات العامة، والاحتمالات الزلزالية، والإنذار المبكر، وعدم التعامل مع المنشورات المتداولة على مواقع التواصل باعتبارها حقائق علمية مؤكدة.










