قد لا يقتصر دور الفول السوداني على كونه وجبة خفيفة غنية بالبروتين والدهون الصحية، إذ تشير دراسة علمية إلى أن تناول 60 غرامًا منه يوميًا قد يرتبط بتحسن تدفق الدم إلى الدماغ وأداء أفضل في أحد اختبارات الذاكرة لدى كبار السن.
وأثارت هذه النتائج اهتمام الباحثين في مجال التغذية وصحة الدماغ، خصوصًا أنها رصدت تغيرات في تدفق الدم الدماغي بعد فترة من تناول الفول السوداني بانتظام. لكن ماذا حدث تحديدًا خلال التجربة؟ وهل يعني ذلك أن هذه الكمية يمكن أن تحمي من ضعف الذاكرة؟
ماذا كشفت الدراسة عن تأثير 60 غرامًا من الفول السوداني في الدماغ؟
نشرت دراسة في دورية Clinical Nutrition في نوفمبر 2025، بحثت تأثير تناول الفول السوداني في تدفق الدم إلى الدماغ والأداء الإدراكي لدى كبار السن.
وشملت التجربة 31 شخصًا سليمًا، بلغ متوسط أعمارهم نحو 67 عامًا، تناولوا 60 غرامًا يوميًا من الفول السوداني المحمص بقشرته وغير المملح، على مدار 16 أسبوعًا.
وأظهرت النتائج ارتفاع تدفق الدم الكلي إلى الدماغ بنسبة 3.6%، إلى جانب زيادة تدفق الدم إلى المادة الرمادية بنسبة 4.5%، وهي المنطقة التي تضم أجسام الخلايا العصبية وتشارك في معالجة المعلومات والوظائف الإدراكية.
وتشير هذه النتائج إلى احتمال وجود علاقة بين تناول الفول السوداني وتحسن بعض مؤشرات الدورة الدموية الدماغية، لكن صغر حجم العينة يفرض الحذر عند تعميمها على بقية الأشخاص.
هل يساعد الفول السوداني على تحسين الذاكرة
لم تقتصر نتائج التجربة على قياس تدفق الدم، بل اختبر الباحثون أيضًا أداء المشاركين في مجموعة من الاختبارات الإدراكية، ومن بينها اختبار الذاكرة اللفظية.

وسجل المشاركون تحسنًا بنسبة 5.8% في اختبار استدعاء المعلومات اللفظية بعد فترة زمنية، وهو اختبار يقيس القدرة على تذكر معلومات سبق سماعها بعد مرور بعض الوقت.
لكن الباحثين لم يرصدوا تحسنًا واضحًا مماثلًا في اختبارات الوظائف التنفيذية أو سرعة الأداء الحركي، ما يعني أن التأثير لم يشمل جميع القدرات الإدراكية التي جرى تقييمها.
ومن المهم التمييز بين تحسن نتيجة اختبار محدد وبين إثبات أن الفول السوداني يقوي الذاكرة بصورة عامة؛ فالنتائج الحالية لا تكفي للوصول إلى هذا الاستنتاج.
ماذا يحدث لاستجابة الدماغ للإنسولين
في دراسة أخرى نُشرت خلال أكتوبر 2026 في دورية Food & Function ، بحث العلماء تأثير تناول الفول السوداني في استجابة الدماغ للإنسولين لدى كبار السن.
ويؤدي الإنسولين دورًا في وظائف الدماغ، إذ لا يقتصر تأثيره على تنظيم مستويات السكر في الدم، بل يرتبط أيضًا بعمليات عصبية تشمل التعلم والذاكرة.
ورصد الباحثون تغيرات في استجابة تدفق الدم للإنسولين في بعض المناطق الدماغية، شملت أجزاء من الحُصين، وهي منطقة ترتبط بتكوين الذكريات واسترجاعها.
ومع ذلك، لا تعني هذه التغيرات بالضرورة حدوث تحسن مؤكد في الذاكرة أو الوقاية من الأمراض العصبية، بل تمثل مؤشرات بيولوجية تحتاج إلى مزيد من البحث لفهم دلالتها الصحية على المدى الطويل.
ما العناصر الغذائية التي تجعل الفول السوداني مفيدًا
يحتوي الفول السوداني على مجموعة من العناصر الغذائية التي تجعله جزءًا مفيدًا من النظام الغذائي المتوازن، ومن أبرزها الدهون غير المشبعة والبروتين النباتي والألياف الغذائية.
كما يوفر فيتامين B3 المعروف بالنياسين، والمغنيسيوم، إلى جانب مركبات نباتية ذات خصائص مضادة للأكسدة.
وتشارك هذه العناصر في وظائف متعددة داخل الجسم، من بينها دعم عمليات التمثيل الغذائي ووظائف الخلايا، والحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية.
لكن لا يمكن الجزم بأن أحد هذه المكونات وحده هو المسؤول عن النتائج التي سجلتها الدراسة؛ لأنها اختبرت تأثير تناول الفول السوداني كاملًا، ولم تفصل تأثير كل عنصر غذائي على حدة.
هل تناول 60 غرامًا من الفول السوداني يوميًا مناسب للجميع
على الرغم من النتائج المشجعة، فإن تناول 60 غرامًا من الفول السوداني يوميًا ليس توصية صحية عامة تنطبق على جميع الأشخاص.
وتوفر هذه الكمية نحو 350 سعرة حرارية تقريبًا، لذلك ينبغي احتسابها ضمن إجمالي السعرات اليومية، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يتبعون نظامًا غذائيًا للتحكم في الوزن.
كما يجب على المصابين بحساسية الفول السوداني تجنبه تمامًا، نظرًا إلى احتمالية حدوث تفاعلات تحسسية قد تكون شديدة.
ويُفضل اختيار الأنواع غير المملحة وتجنب المنتجات التي تحتوي على كميات كبيرة من الملح أو الإضافات غير الضرورية، مع مراعاة الاحتياجات الغذائية والحالة الصحية لكل شخص.
ومن المهم أيضًا عدم التعامل مع الفول السوداني باعتباره علاجًا لضعف الذاكرة أو وسيلة مثبتة للوقاية من مرض ألزهايمر؛ فالدراسات المتاحة لم تثبت هذه الفوائد العلاجية.
وتفتح هذه النتائج مجالًا لمزيد من الأبحاث حول العلاقة بين التغذية وصحة الدماغ، لكنها لا تزال بحاجة إلى تجارب أكبر تشمل فئات عمرية متنوعة، وتستمر لفترات أطول، لتحديد مدى ثبات هذه التأثيرات وأهميتها الصحية.