الرياضة

مربعات الراديو السحرية: كيف بنى عمالقة التعليق الرياضي في اليمن "الزمن الجميل"؟

مربعات الراديو السحرية: كيف بنى عمالقة التعليق الرياضي في اليمن "الزمن الجميل"؟
قبل 22 ساعة
- ترند - تقرير خاص: غيث حمدي

هل كان "الزمن الجميل" جميلاً بالفعل بجاذبيته وتفاصيله، أم أن الحنين الجارف إلى الماضي هو ما يزين لكل جيل أيامه الغابرة فيراها الأجمل؟ في عالم الساحرة المستديرة باليمن، لا ينفصل هذا الحنين عن أصوات حُفرت في وجدان الجماهير وعشاق الرياضة من خلال أثير المذياع (الراديو)، قبل عصر الشاشات الفضائية والمنصات الرقمية الملونة عالية الدقة.


السينما التخيلية: الملعب بالأرقام والمربعات


في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، امتلك المعلق الرياضي اليمني قدرة استثنائية على بناء "سينما تخيلية" في عقول المستمعين. ولم تكن متابعة المباريات مجرد استماع جاف لحركة الكرة، بل كانت رحلة هندسية دقيقة؛ حيث كان المعلق يعمد إلى تقسيم أرضية الملعب في ذهنه وذهن المتابع إلى مربعات مرقمة مجازياً (1، 2، 3... إلخ).

من خلال هذا التكتيك الوصفي العبقري، كان يتسنى للمتابع البسيط القابع في قريته أو منزله خلف الراديو معرفة اتجاه الهجمة، وأين يتمركز فريقه، وفي أي زاوية يهاجم خصمه، ليعيش تفاصيل اللقاء لحظة بلحظة وكأنه يجلس تماماً في مدرجات ملعب "الظرافي" بصنعاء أو ملعب "الحبيشي" العريق في عدن.


رواد الأثير: كوكبة حفرت أسماءها في الذاكرة


تميز كل معلق من معلقي ذلك العصر بأسلوبه الخاص، ونبرة صوته الفريدة التي كانت تشعل الحماس في البيوت والمقاهي. وتضم قائمة الشرف لرواد التعليق الرياضي اليمني كوكبة من الأسماء اللامعة التي لا تزال أصداؤها تتردد في أذهان الأجيال؛ منهم من غادرنا إلى دار الآخرة تاركاً إرثاً لا يُمحى، ومنهم من يزال يمدنا ببركة وجوده:

• محمد سعيد سالم: صاحب الحنجرة الذهبية والإطلالة الإذاعية الرصينة المثقفة.

• علي حمود العصري: بصمته المميزة وأسلوبه المتفرد في نقل تفاصيل الدوري والمباريات المحلية الكبرى.

• الدكتور عبدالرحمن الشرجبي: برؤيته الأكاديمية والتحليلية المصاحبة للتعليق التي تمنح المباراة بعداً أعمق.

• سالم بن شعيب (رحمه الله): أحد عمالقة الرعيل الأول الذين ارتبطت أصواتهم بأمجاد الكرة اليمنية في المحافظات الجنوبية.

• عبدالسلام فارع: المعلق والكاتب القدير الذي وثق بحماسه المنقطع النظير شغف الجماهير اليمنية.

• فيصل باعباد: بنبرته الوثائقية المتميزة وحضوره القوي في الملاعب الممتدة.

• عبدالواحد الخميسي (رحمه الله): الذي غادرنا تاركاً سيرة عطرة وصوتاً لا ينسى في تاريخ الصحافة والتعليق الرياضي.

• محمد يسلم البرعي: وتميزه اللافت في رصد أدق تفاصيل التكتيك والخطط داخل المستطيل الأخضر.

• عوض سالم عوضين (رحمه الله): من أبرز الأصوات المبدعة التي واكبت العصر الذهبي للملاعب الكروية.

• محمد عمر عوض "بيبو" (رحمه الله): الذي تميز بخفة ظله الاستثنائية وتعليقه العفوي القريب من قلوب الجماهير البسيطة.

• بندر الأحمدي: المعلق والمدرب الذي حافظ على رصانة الأداء وربط الجيل الجديد بمدارس التعليق الرائدة.


حفظ الله من هم على قيد الحياة من هؤلاء الرواد، والرحمة والمغفرة لمن غادرنا منهم إلى الدار الآخرة. إن الحفاظ على ذاكرة هؤلاء النجوم والتوثيق لمشوارهم ليس مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هو تذكير للأجيال الصاعدة بـ "جوهر" الشغف الرياضي.

لقد أثبت جيل التعليق اليمني القديم، بأدواته البسيطة وموجات الأثير القصيرة، أن الإبداع لا يحتاج دائماً إلى تقنيات "الفار" أو جودة "الـ 4K"، بل يحتاج إلى موهبة حقيقية، ونبرة صادقة، وقدرة على نقل نبض المدرجات إلى قلوب الناس عبر أسلاك النوستالجيا وبوابة الراديو السحرية.

الكلمات المفتاحية للموقع (Tags):

عمالقة التعليق الرياضي اليمني ، الزمن الجميل الرياضي ، علي حمود العصري ، محمد سعيد سالم ، تاريخ الكرة اليمنية ، إذاعة صنعاء وعدن ، ملعب الحبيشي والظرافي

المقال الآن جاهز تماماً للنسخ والنشر في موقعك بالصياغة التوثيقية والتحليلية المقترحة. يسعدني استقبال المقال القادم متى ما كنت مستعداً لفحصه!