قصة قصيرة
كانت في مدينةٍ اسمها "الانتظار" ساعةٌ كبيرة في الميدان. لا عقارب لها منذ زمن. الناس اعتادوا أن يسألوا الغرباء: "كم الساعة؟" فيجيب الغريب: "الساعة عندكم واقفة". فيضحكون: "ونحن أيضًا واقفون".
في صباحٍ صبوحٍ من تشرين، لم يرتجف الزجاج فقط. ارتجف المعنى. سمّاه الناجون لاحقاً: "الطوفان". لم يكن ماءً يغرق البيوت. كان سؤالًا قديمًا يغرق الكذب: "إلى متى يُكتب التاريخ بأقلامٍ لا ترى إلا من جهةٍ واحدة؟"
مفارقة الجدار الذي يسمع ولا يفهم
في غرفةٍ بلا نوافذ، جلس "الجنرال". أمامه شاشةٌ فيها كل شيء: نبض عصفور، حركة غيمة، صوت خطوةٍ على بعد أميال. إلا شيئًا واحدًا: صوت الذاكرة.
قال لمساعده بثقة من يملك الأزرار: "عندنا أذكى جدار في التاريخ. الجدار لا ينام".
فأجابه المساعد: "والذاكرة يا سيدي؟"
ضحك الجنرال: "الذاكرة مريضة. سنعالجها بالنسيان".
لكن الطوفان لم يكن مريضًا. كان طبيبًا متأخرًا. ولأنه كان كذلك، فقد دخل من الشقوق التي تركها الغرور. مرّ من بين الأصفار والواحدات، ووقف أمام الجنرال. لم يقل شيئًا. فقط وضع أمامه صورة بيتٍ بلا سقف، وطفلٍ بلا حذاء، ومفتاحٍ بلا باب.
فهم الجنرال متأخرًا أن كل أجهزته تقيس الزمن، إلا زمن الغضب. والغضب لا يُقاس بالثواني، بل بالسنين التي لم تُحسب.
مفارقة البحر الذي صار قاضيًا
في الجنوب، عند "باب المندب" كما تسميه كتب الجغرافيا، وقف البحر مترددًا. البحر تعلّم من التاريخ أن يكون طريقًا للجميع. لكنه في ذلك الخريف تعلّم درسًا جديدًا: أن يكون ميزانًا.
مرّت سفينة "الربح السريع" بحمولتها الثقيلة من الحديد والكذب. استوقفها صوتٌ بلا جسد: "امْلئي الاستمارة".
سخر القبطان: "البحر يطلب أوراقاً؟"
فأجابه صيّادٌ يمني عجوز، ظهره منحنٍ كقوس سفينةٍ قديمة: "نعم. منذ صار الممر الضيق أضيق من الضمير".
لم يطلق الصيّاد رصاصة. أطلق سؤالًا: "إلى أين؟ ولماذا؟".
سؤالٌ واحد أيقظ في قبطان السفينة خوفًا لم تعرفه البوارج: خوف الحساب.
وجدت السفينة نفسها مضطرةً للدوران حول قارةٍ كاملة. خسرت أسبوعين، وخسر العالم معها وهم "العولمة بلا أبواب". ومن يومها، صار الأطفال في المدارس يدرسون خريطةً جديدة: عليها بحارٌ زرقاء، وقاراتٌ خضراء، وممرٌ ضيقٌ مكتوب تحته بخطٍ أحمر: "هنا توقف العالم كي يفكر".
سأل مراسلٌ العجوز: "ماذا تسمّون ما فعلتم؟"
أشعل لفافة تبغٍ وقال: "نسمّيه: أن نذكّر الوقت كيف يمشي متأخرًا. عشر دقائق تأخير كافية كي لا يمرّ القاتل وهو يصفّر".
مفارقة المعلم الذي أفلس فاغتنى
في نابلس، بعد أن سقطت سماء المستشفى على المرضى، جلس معلّمٌ اسمه أبو خالد تحت زيتونةٍ عجوز. لا طباشير، لا سبورة، لا راتب. فقط علبة سجائر فارغة.
مزّق الورق الأصفر وكتب عليه: "دير ياسين = لا تنسَ". ثم مزّق ورقةً أخرى: "الصمود = درسٌ مؤجل".
اعتقلوه. في الزنزانة لم يجد إلا جدرانًا ووقتًا. فقسّم التاريخ إلى قصاصاتٍ صغيرة، ووزّعها على الفتية كأنه يوزّع الخبز.
سأله السجّان ساخرًا: "تتاجر بالهواء؟"
فأجاب أبو خالد: "أتاجر بالشيء الوحيد الذي لا يخسر: الذاكرة. القصف يدفع كاش ويمحو. والذاكرة تدفع بالتقسيط وتحيا".
ولما خرج، وجد أن كل قصاصةٍ صارت جدارًا. وكل جدارٍ صار سؤالًا. وهكذا، انتصر التقسيط على الكاش، والورق الممزق على الصاروخ.
صوتٌ يأبى أن يموت
في المدينة المحاصرة انقطع كل شيء: الضوء، والماء، والوجوه.
بقي صوتٌ واحد يأتي من تحت الأرض كل حين. لا يُرى، ولا يُعرف له مستقرٌ ومستودع..
كان الصوت قصيرًا كالنَفَس. يقول: "نحن هنا". ثم يذيل بيانه بقوله: "وإنه لجهادٌ: نصرٌ أو استشهاد".
فإذا سمعه الجائع شبع قليلًا، وإذا سمعه الخائف نام قريرًا، وإذا سمعه الطفل سكت عن البكاء كثيرًا.
سألوا الحكيم: "من صاحب الصوت الذي لا جسدَ له؟"
ضحك الحكيم وقال: "المدن لا تحرسها الجدران حين تسقط. تحرسها الكلمات الصادقة حين لا تسقط، أو تخون".
مرت الأيام، سقطت الجدران كلها.
وبقي الصوت قصيرًا... وعنيدًا.
وبقي للصوت ذاكرة تأبى أن تموت.
مفارقة العجوز التي تغشّ في امتحان الجاذبية
في مخيّم جنين، هدمت الجرافة بيت أم سليم. وزن الجرافة: ثلاثون طنًا. وزن العجوز: لا يتجاوز خمسين كيلو.
في الصباح نصبت خيمةً فوق الركام. كلما انتزعت الجرافة الأوتاد، غرستها العجوز ثانيةً وبشكلٍ أعمق.
جاء ضابطٌ يحمل القانون في يدٍ، والخوف في اليد الأخرى: "ممنوع البناء هنا".
ضحكت أم سليم وعدّلت وتد الخيمة: "والقانون أيضًا يقول إن للإنسان بيتًا. فمن منّا يغشّ في الامتحان؟ الجرافة أم الوتد؟"
ومن يومها، صارت خيمتها نقطةً على خرائط الصحفيين. لا لأنها من إسمنت، بل لأنها من عناد. والعناد مادةٌ لا تُدرّس في كليات الهندسة، لكنها وحدها تبني حين يفشل الإسمنت.
مفارقة الطبيب الذي صار ميزانًا
في مستشفى الشفاء، انطفأ المولد. بقي أكسجين لأربع ساعات، واثنا عشر رضيعًا في الحاضنات.
خلع الدكتور يوسف قفازه. قسّم الليل نصفين: ستة على المولد، وستة في يديه يضغط "الأمبو" يدويًا. كل عشر دقائق يبدّل. عرقُه كان يغسل وجهه، لكن يده لم ترتجف.
سألته ممرضة: "أنكتب في التقريرِ أنك بطل؟"
قال وهو يعدّ الضغطات: "اكتبي أني كنت ميزانًا. والميزان لا يكون بطلًا. الميزان فقط يرفض أن يميل، حتى لو مال العالم كله".
مفارقة الفتاة التي طهت الذاكرة
حجبت المنصات صور الركام. فجلست لمى من عمّان وطبخت "مقلوبة". عنوان الفيديو: "وصفة أمي من بيتنا في القدس".
وهي تقلّب الأرز، حكت عن مفتاحٍ نحاسي لا يفتح بابًا، وعن شجرة زيتونٍ قُطعت وتركوا جذعها شاهدًا، وعن نكبةٍ لم تنته لأنها لم تبدأ بعد.
جاوز الفيديو عشرين مليون مشاهدة. لم تحذفه الخوارزمية لأنه "محتوى طبخ".
كتبت لمى في الوصف: "اكتشفنا أن الحقيقة إذا جُوّعت، تعلّمت أن تتنكّر بثوب الطعام حتى تصل. وأن أخطر وصفة هي وصفة الصمت".
العمق: وصية الساعة المكسورة
بعد شهور، وجد طفلٌ في ركام غزة ساعة جيبٍ صدئة. لا عقارب لها. على ظهرها محفور بخطٍ مرتجف: "لمن يأتي بعدي".
فتحها الطفل. بداخلها لم يجد تروسًا. وجد ورقةً صغيرة مكتوب فيها:
> "يا بني، حين كسروا ساعات المدينة، ظنّوا أنهم كسروا الزمن. فصنعت لك هذه الساعة بلا عقارب. كي لا تقيس عمرك بعدد القذائف، بل بعدد المرات التي رفضت فيها أن تموت داخلك.
> إذا سألوك: كم الساعة؟ فقل: الساعة الآن وقت الصمود.
> وإذا قالوا: تأخرتم. فقل: نحن لا نتأخر. نحن فقط نمشي على توقيت لا يفهمه سوى من باع واشترى.
> تذكّر: الجدار الذكي يهزمُه سؤالٌ ذكي وصادق: إلى متى؟
> والبحر المفتوح يهزمُه ممرٌ ضيقٌ يتذكّر اسمه جيدًا.
> والذاكرة الممسوحة يحييها معلّمٌ مفلس يبيعها بالتقسيط.
> والجرافة العملاقة تهزمُها عجوزٌ وزنها خفيفٌ لكنما عنادها ثقيل.
> والظلام يهزمُه طبيبٌ يقسّم الليل بيديه.
> والحجب الإلكترونية تهزمُها فتاةٌ تطهو الحقيقة.
> أما جبهة اليمن، فوصيتها لك أبسط: نحن لا نملك أن نوقف القصف، لكننا نملك أن نوقف المرور. والممر الضيق إذا وقف، وقف معه وهم العالم كله".
>
زمنٌ جديد
ومن يومها، ضبط الناس ساعاتهم على "توقيت الطوفان". توقيتٌ متأخرٌ دائمًا بعشر دقائق. عشر دقائق سرقوها من الحرب كي يشربوا فيها الشاي، ويحكوا فيها حكاية، ويضحكوا فيها ضحكةً بلا ذنب.
فهموا أخيرًا المفارقة الكبرى: الأقوياء يملكون كل شيء إلا الوقت. والوقت قرّر أن يمشي مع من لا يملك إلا صبره وإيمانه بقضاياه.
الساعة في الميدان ما زالت بلا عقارب. لكن الناس صاروا يعرفون الوقت بالنظر إلى عيون بعضهم.
وكلما سأل غريب: "كم الساعة عندكم؟"
يجيبون: "الساعة عندنا الآن وقت أن لا ننسى".
عبدالرقيب مرزاح الوصابي
صنعاء - اليمن