منوعات

قراءة في" تأملات حانية"

قراءة في" تأملات حانية"
قبل 39 دقيقة
- عدنان السعودي

باسم الله وكفى ؛ وصلاة وسلاما على نبيه الذي اصطفى.. وبعد؛...


عندما يفكر الأديب ويكتب؛ فإن الفكر لديه ينساب كجداول الماء في بحر الخمائل التي تعانق رفيف الإقحوان، وعبق المزاهر في شغاف الورود.. لتتوهج الحروف منيرة في مدارج من العلم والنور والبيان. ذلك أن الأديب يكتب بنبض قلبه وحس خلجاته؛ يكتب للحياة وللأحياء.. يسطر الحرف للمعرفة والسمو الفكري؛ راقيا بفكره وقلمه؛ مشدودا نحو الحق والحقيقة.. قلم يسكب الكلمات عطرا من صدى الأرواح المحلقة عاليا في السماء؛ يسكبه ندى عابقا بالحب والشوق للجمال وأهل الجمال... هكذا هي رؤية الأديب؛ يرى الجمال جمالا يبوح به، ويقف أمامه متجليا بالكلمة الرقيقة والوصف النبيل.



أقول هذا لأن أنفسا بعيدة ينطبق عليها قول الشاعر العظيم أبو الطيب المتنبي:


ومن يك ذا فم مر مريض


يجد مرا به الماء الزلالا


نعم إنه الجمال الذي كتب به وعنه حاتم؛ بفيض من الملاحة والكرم الأصيل؛ ذلك أن له من إسمه نصيب من حاتم الطائي لغة وكرما، ومن ابنته سفانة حكمة وبيانا..


إنه الكاتب والأديب الأريب حاتم علي؛ وهو يخط سفرا خالدا في بوتقة الجمال والحب.


كلمات ذات روح ونبض ومعنى؛ كلمات ترتقي بالحياة نحو مشارف النور الساطع والهدى لحياة فاضلة. إنه ذلك القلم البارع الواعي؛ الذي يربط الماضي بالحاضر، ويستل من أوراقه المبعثرة روحا وحياة؛ مستشرفا مستقبلا مبشرا بالخير والسعادة والهدوء.


كم كنت رائعا أيها العزيز؛ وكم كانت تلكم الأيام والليالي رائعة رائقة؛ والثقافة تحط رحالها في احتفالية بغداد عاصمة الثقافة الإسلامية.. سنة 201‪3 في تلك الديار الزاهرة باللغة والشعر والشعراء؛ كان التقاء قلبين عشقا العروبة والعربية والعرب.. كان لقاء حاتم وعدنان وبدت قصة تعارف وصداقة بالغة دائمة بين جبال اليمن وصنعاء وجبال عمّان.. كان اللقاء في سماء عربية مثقلة بالأحداث الجسام، وغبار آثم غريب محتال.. عاث في كل البلاد فسادا ودمارا...


لكنها الأصالة والتاريخ والمجد لبلد وأرض علّمت الإنسانية حرفها الأول؛ إنها الحضارة العربية الإسلامية الماجدة الزاخرة.. فكان الخوارزمي، والفارابي، والبيروني، وابن الهيثم والحسن البصري، وسيبويه، والخليل بن أحمد الفراهيدي ووو... والجواهري.. وكثر هم من أصحاب البديع والمكامن الثرة... في الكوفة والبصرة وغيرهما...


ولم يكن اليمن السعيد إلا أصلا لهذه الأصول الراسخة.. وبوابة لهذا الحرف العربي الغارق في الروعة والجمال معنى ومبنى وموسيقى... هكذا كان اليمن؛ منذ عمرو بن هند، والمثقب العبدي، وعمرو بن كلثوم، وغيرهم الكثير من عمالقة اللغة والشعر والفصاحة والبيان.. إنه الماضي التليد، والحاضر الأليم.. ولعله المستقبل الواعد بحول الله ومشيئته. وإنها الأجيال حين تتشبث بدينها وعقيدتها التي بها لا بغيرها ستصل إلى شطآن الأمان وتباريح المكان...


"قبل كبعد حالة وهمية؛ أمسي أنا يومي أنا وأنا غدي.. "


إنه الحلم الذي لا يتحققإلا بثقة الواثق بربه ودينه.. ثقة بذاك التاريخ المجيد العريق؛ ثقة بهذه الأمة المختارة ورسالتها الخالدة... ثقة بأجيال الأمة حينما تكون التربية واعية سالمة..


وهكذا كانت "تأملات حانية" للكاتب والأديب حاتم علي؛ وهو الذي يفجر ينابيع حالمة صافية من صخور الحياة المتعبة المتكدسة ظلما وعذابا.. إنه القلم الحالم بالتغيير والتجبير؛ فمن عمق الألم يولد الأمل، ويكون البقاء لذاك الأساس المتين.. ولا يكون البقاء إلا بحلول القدرة عليه؛ حتى عندما يغمض هذا القلم عينيه؛ فأنه يرى صور القهر والظلم والطغيان، ولكنه مع كل هذا يرى بريقا لا معا في النفق؛ لا بد أن يتمخض يوما فبشع نورا به تتلاشى تلكم الحكاية... فتستنير الحياة ويعود ألقها وبريقها ويعود ذاك الوهج المتدفق عزة وكبرياء.. هكذا كان حاتم وهو يكتب عن الأرض والإنسان والتاريخ والوطن.. يكتب بمنظار الأديب الواعي المثقف الفاهم العميق.. يكتب عن كل هذا؛ حبا ومحبة وودادا.. يكتب عن الجمال وعن صور الجمال في المرأة والطبيعة والقلوب.. فما كانت الأنثى إلا مرآة للجمال وللحياة والتجديد والتجذير.. فالمرأة منظومة متكاملة من الأحاسيس الدافة والمشاعر الفضفاضة؛ والتي تشد المرء نحو الحياة ومدارج الحسن والبهاء.


من هنا كان العرب قد أبدعوا أيما إبداع وهم يغنون للمراة ويتغنون بها.. كيف لا؛ وهي الأم والجدة والزوجة والأخت.. فكانت القصيدة العربية تتوشح بذكر المرأة المحبوبة المعشوقة في مطلع القصيدة وصدرها.. فتتفتح القرائح ويحلو الكلام شعره ونثره.. وتبدو القصيدة وكأنها عقد من الذهب على صدر من الياقوت والعنبر.. نعم هكذا كانت القصيدة العربية مضمخة بحسن النساء وجمالهن الرباني؛ وهي إرادة الباري جل وعلا.. وكم هي الأسماء في تاريخ القصيدة العربية؛ من فاطمة إلى عبلة وسعاد، إلى ليلى وبثينة، وعزة ومي واسمهان وغيرها من الأسماء الخالدة..


وما أجملها من قصيدة للشاعر العظيم المثقب العبدي؛ والتي يخاطب بها عمرو بن هند ملك اليمن من خلال معشوقته فاطمة إذ يقول :


أفاطم قبل بينك متعيني // ومنعك ما سألت كأن تبيني


فلا تعدي مواعد فاتنات // تمر بها رياح الصيف دوني


فإني لو تخالفني شمالي // خلافك ما وصلت بها يميني


إذا لقطعتها ولقلت بيني // كذلك أجتوي من يجتويني


إلى آخر القصيدة والتي تعد من عيون الشعر العربي.


وإن قريحتي لتقول هنا:


أحاتم كم ترق الروح مني // لطيفك إذ تبدى من حنيني


فغازلت النوارس في سمائي // لعل العمر يأتي بالرزين


وفي بغداد كانت ذكريات // أكحلها لحاتم في عيوني


سلاماتي إلى صنعاءَ تمضي // أرددها وقد فاضت شجوني


ومني أحرف فيها التمني // للقيا عابق شهم رزين


ومن عمان أبرقها صهيلا // كخيل الله حمحمة لديني


وأدعو الله يكلؤكم بحفظ // وحفظ الله ما فوق اليقين


... نعم إنه من بلاد اليمن؛ حيث ينظرها الركن اليماني؛ ليشرق الفجر من جديد، ويغور الغروب؛ ليتجدد الأمل بعبق التاريخ الخالد العابق برائحة البخور والقهوة اليمانية؛ إنه نخب الأصالة والصمود؛ هذا ما قالت الأرض، وهكذا حدثت الجبال في صنعاء وعدن والحديدة.. وهكذا تبدت أمواج البحر لتحكي حكايا الصمود والرفعة والبطولة.


ستبقى تلكم النسائم ومعها النفائس والأنفاس؛ تخاطب البحر مثلما يخاطب حاتم من خلال هذا التأملات عراقة اليمن وتاريخها العصي المجيد.. تخاطب وتحاور الشجر والحجر وتقول: هنا كانوا، ومن هنا سيشع الضوء نورا لأهل اليمن ونارا على من يتربص شرا باليمن.. من هنا سيكون الفرج والانفراج... ولله در الإمام المحدث الشافعي رضي الله عنه وهو يقول:


ضاقت فلما استحكمت حلقاتها


فرجت وكنت أظنها لا تفرج


إنها نسائم العلماء والأدباء والشعراء والخلفاء؛ والتي التصقت بالأرض والإنسان؛ لتبقى الشمس ساطعة سطوع أبي ذر الغفاري، وأبي موسى الأشعري، وكل الكبار في أرض واسعة صامدة، ووطن عصي كبير... إنها الكلمة المعبرة المؤثرة؛ التي تنبثق من قلب آمن بالحياة والإنسان والأمل... ومن هذا العبق يستمد حاتم الإنسان؛ عبقرية الحرف وموزون الكلم دررا من الياقوت والزمر والزبرجد، وشعاب المرجان من بحر لجي خالد زاخر بالعنفوان والكبرياء، وسماء غياثة تهطل للأرض حبا وعشقا، وجبال مكسوة بالعز والشموخ؛ يحدث أريجها كل الأرض وكل الناس أن الأرض تتكلم بالعربية وتموج بالعروبة.. فتتجلى مكامن الحب والجمال، والعزة والوفاء.


من هذه الشغاف اليمانية جاءت " تأملات حانية" يكتبها حاتم علي ببلاغة فارقة، وفصاحة رائقة، وصور بديعة لامعة في سماء المعرفة والأدب والبيان.. فتخالها وأنت تقرأ فيها؛ وكأنها لوحة فنية صانها فنان ذو حذاقة وفراسة؛ مزركشة بألوان الطيف جميعها؛ يخضبها حناء ماتع جميل من مفردات غزيرة المعنى وقويمة المبنى. تسرح معها في صور رهيفة وأحلام جميلة؛ تعبر عن أحاسيس عميقة تشربها من المكان والزمن والزمان..


إنه حاتم اليمن وهو يكتب لليمن؛ وعندما يكتب لليمن إنما يكتب للحياة... ذلك أن صور الحياة تتجلى في شعاب اليمن وكهوفها وجبالها كأروع ما يكون التجلي، وأبدع ما يكون النسج والصقل..


إن الرصيف ليحلم بالوصول لمن يقف عليه إلى مراد الحق والعدل والأمل، وستنتهي الحيرة؛ ويبقى التساؤل والسؤال؛ لماذا كان كل هذا؟؟؟


ودمتم....


عدنان السعودي


عمان /202‪6/5/5