منوعات

من مرايا التراب إلى أجساد الشوارع .. نورة عبيد والقصّة كفعل كشف سيرة اللّون والعطر

من مرايا التراب إلى أجساد الشوارع .. نورة عبيد والقصّة كفعل كشف
سيرة اللّون والعطر
القاصة والروائية التونسية نورة عبيد غابت عن كتابة الشعر أعواما طويلة بسبب بؤس الساحة الثقافية وعادت
قبل 37 دقيقة
- عبدالرقيب مرزاح

أن تحاور قاصّة مثل نورة عبيد، فأنت لا تحاور كاتبة قصص فحسب، بل تحاور ذاكرة ترابيّة كاملة.

منذ أن فازت مجموعتها الأولى "مرايا التراب - قصص التفاصيل المنسية" بجائزة الطاهر الحداد عام 2018، وهي تمشي بنا في اتجاه معاكس للسائد: لا من الرواية إلى القصّة، بل من القصّة إلى ما هو أوسع من الرواية. من مرآة التراب إلى أجساد الشوارع.

بين "مرايا التراب" و"أوبا" المتوجة عربياً في غزة، و"حكايات توتو" و "تاج الحياة" لليافعين، وصولاً إلى مجموعتها الأخيرة "شوارع", بَنَتْ نورة مشروعها بهدوء: أن تجعل القصّة صفعة لا تقتل، بل تعيد التّشكيل.

هي قارئة موباسان التي تعلمت منه قسوة قتل الشخصية قبل خلقها، وتلميذة عز الدين المدني والبشير خريف في انحيازها للقصة الذهنيّة، لكنّها في "شوارع" اختارت أن تضع الذهن في قلب الحاوية، وفي قلب الجسد. هناك حيث يلتقي شارع الحرّيّة بقارورة مستوردة، وتلتقي الجغرافيا باللّحم.

في هذا الحوار مع القاصّة التونسيّة نورة عبيد، نسألها عن التراب الذي لا يزال مرآتها، وعن الشارع الذي حوّلته إلى جسد، وعن المرأة التي تراها عنوان الحداثة لا مشكلتها، وعن الحرّيّة التي تراها أكبر من الشارع وأعلى.

مرحباً بكِ أستاذة نورة في هذا الحوار، ومرحبًا بك قارئي العربيّ على امتداد هذا الحوار المثقِّف والمتنوّع:

حاورها / عبدالرقيب الوصابي - صنعاء.

مرآة التراب التي لا تنكسر

1. فزتِ عام 2018 بجائزة الطاهر الحداد عن "مرايا التراب - قصص التفاصيل المنسية". ماذا بقي من تلك المرايا في كتبك اللاحقة من توتو إلى أوبا؟ هل ما زلتِ ترين التراب مرآة؟

الكتابة رؤية. فلا يوجد قطع فعليّ من كتاب إلى آخر. ما يتغيّر هو العوالم السرديّة والتّفاصيل الّتي لا تنضب. فمن "مرايا التّراب" مرورًا بـ"أوبا"
- وهي الحاصلة على الجائزة الثالثة عربيّا في مسابقة "نقصّ لهم" عن الجامعة الإسلاميّة بغزّة
– إلى "حكايات توتو"، تغيّر المتقبّل. إذ توجّهت إلى فئة اليافعين أنشد نشيدهم وأرى بعيونهم، فازددت التحامًا بالتّراب. مسكين والله من لم يلتحم بالتّراب ويلعب وهو طفل ويافع، ولمَ لا إذا صار كهلا وشيخا؟ فحتما سيواريه التراب!
في مدرسة القسوة.. موباسان معلماً

2. قلتِ في حوارك القديم إنّ أول مجموعة قرأتها كانت "الموتى لا يكذبون" لموباسان وأنتِ تلميذة في الثانوي. موباسان كاتب قاسٍ لا يرحم شخصياته. هل تعلمتِ منه هذه القسوة التي نراها لاحقاً في قصصك؟

موباسان قاصّ يجيد ضبط الحدود بين ما يجب أن يكون وما هو كائن، واستطاع بعبقريّة فرنسيّة أن يجعل السّرد في القصّة والرواية حاملا لقضايا وجوديّة بتفاصيل واقعيّة؛ إذ اجترح فلسفة الحياة وأسلوبها: القسوة. قبل أن يعلّمني موبسان القسوة في "قتل" الشّخصيات قبل خلقها، علّمتني الحياة القسوة، والقسّ لا يقبل اللّغو. القاصّ عين وعقل، أداته اللّغة ليبرهن على القدرة الخارقة والقاسية على جعل الصّورة لا تقبل الحذف.



القصة الذهنية.. هل لا تزال قادرة بعد الثورة؟

3. قلتِ إنّك منحازة للقصّة الذهنية وتأثرتِ بعز الدين المدني والبشير خريف. هؤلاء كتبوا القصّة الذهنيّة في السبعينات كتمرّد على الواقعيّة. اليوم بعد الثورة، هل ما زالت القصة الذهنيّة قادرة على التقاط الواقع؟

إنّ الانحياز للقصّة الذهنيّة لا يمنع إعمال الذّهن في القصّة الواقعيّة. لذلك التزمت في "شوارع" بالواقعيّة وروافدها السّحريّة في معالجة قضايا وطنيّة وإنسانيّة. إنّ القصّة جنس أدبيّ سرديّ تتوفّر على قدرات ساحرة وساخرة على محاورة الذّهن وأطروحاته الذّهنيّة فلسفيّا. الآن ازددت وثوقا أنّ القصّة بحيّزها المكثّف ورمزيّتها المكتّلة أكثر قدرة على مخاطبة الذّهن وبثّ شرارة التّفكير والتّنوير والتثوّير في الخطاب القصصيّ ووظائفه الجماليّة والحجاجيّة.. القصّة كالصفعة الّتي لا تقتل بالضربة القاضية، بل تعيد التّشكيل والتّرتيب والتّفكير.

معركة الشرعية.. هل انتزعت القصة حقها؟

4. دافعتِ بقوة عن شرعية القصة وقلتِ إن "الشعر ديوان العرب" و"الرواية ديوان القرن العشرين" مقولات واهية لإقصاء القصة. بعد 6 سنوات و5 كتب وجوائز، هل انتزعت القصة شرعيتها فعلاً في تونس؟

للقصّة شرعيّة في تونس وخارجها. والمتأمّل في سيرة الكتّاب والرّوائيين يدرك علاقتهم بالقصّة والتجرّيب القصصيّ. خذ مثلا نجيب محفوظ والمائة قصّة من فترة النّقاهة، لقد طوّع القصّة القصيرة لرؤاه السرديّة والدّلاليّة خلال تجربته الرّوائيّة العظيمة. وجلّ روائيي تونس مرّوا بهذا الصّرح الفنيّ المتفرّد. فشرعيّة القصّة لو جاز التّعبير تكتسب من حضور القصّة في الجوائز الأدبيّة، والقصّة في تونس حاضرة في أكثر من جائزة، ولعلّ أهمّها جائزة معرض تونس الدوليّ للكاتب ونُسبت لأبي القصّة التونسيّة العبقريّ "علي الدّوعاجي". وللتذكير، فجائزة "أبو القاسم الشّابيّ" انحازت للقصّة في عددها الحاليّ، وهي جائزة عربيّة.

موت الجنس الأدبي.. الجغرافيا كجسد

5. تحدثتِ عن "موت الجنس الأدبيّ". مجموعتك "في شوارع" تطبّق هذا الموت عمليّا: هي قصص لكنّها خرائط، وشوارع لكنّها أجساد. هل تعمّدتِ قتل الحدود بين الجغرافيا والجسد كجزء من التجريب؟

تجربة الشّوارع استغرقت من عمري ستّ سنوات، لكنّها كرؤية للوجود وللانتماء الجغرافيّ موجودة سلفًا مع مضمون الولادة الّذي يثبّت جنسي وجنسيّتي ويوم ولادتي. لم أعمل على قتل الحدود بين الجغرافيا والجسد، بل عمدت على كشف الوجود بالجغرافيا والجسد؛ فالكشف يحتاج قتلًا إن بالقوّة أو بالفعل. في هذا المقام بالضبط أنا من المنتصرين للنقد الجغرافيّ وأثره في تطويع الجسد والسّرد بما يوافق النفاذ إلى الجوهر قبل نفاد الجسد وفساده.

أسطورتي الخاصة.. والمكاشفة كرعب

6. قلتِ إن "لحظات المكاشفة هي إطلالات على مدار الرّعب" كما يسميها محمد لطفي اليوسفي، وقلتِ إنّ المبدع يحتاج "تسرّيد أسطورته الخاصّة". ما هي أسطورتك الخاصة من مرايا التراب إلى أوبا؟ ولماذا عندك المكاشفة دائماً مرتبطة بالسقوط والقذارة والخوف؟

أمّا أسطورتي الخاصّة - والعبارة تقيم في المجاز - فهي أن أخلق أسلوبا سرديّا يؤمّن نظرة للذّات والوجود والعالم، وأن أكون مخيّرة بما أتخيّر من بشر وحيوانات وحجر، أقدح فيها الرّوح في القِدر الّذي يغلي بأثر الفراشة، حتّى إذا حان القَدر كان الحيْن هادئًا وعاديًا. وأمّا المكاشفة فلا ترتبط بالسّقوط؛ ففي قصص "مرايا التّراب" و-"أوبا"- ترتبط بتحقيق الأحلام، كما ارتبطت بسحب غطاء الأوهام، وتجلّت في نسج التّناسق الدّاخليّ والانسجام في سلوك البشر تناغمًا بين التربيّة على إيقاظ الذهن والجسد من القيود والغفلات. فلحظات المكاشفة الإبداعيّة - كما ذهب إليها محمد لطفي اليوسفيّ - هي حالات الوجود الأقسى والأقصى للمبدع وهو يخرج من حال إلى حال؛ من الفراغ إلى الامتلاء، ومن العقم إلى الولادة، ومن العدم إلى الوجود.

استعارة اللحم والنبات.. لماذا الجسد الأنثوي؟ (ذروة الجرأة)

7. في "شوارع" كل قصّة باسم شارع، لكن الشارع ليس مكانًا بل جسد. مزرعة الذرة بلحافاتها التي "لا يفكها إلا اليد الخبيرة"، و"نهج الفيلات" بموزة الفخذ عند الجزار. لماذا اخترتِ اللّحم والنبات كاستعارات للجسد الأنثويّ؟

الحياة احتفال واحتفاء. وباب الاحتفال والاحتفاء بالجسد من خلال الجسد يحتاج تجسيرًا فعليًّا. فالجسد - كما قدّمته في "شوارع" - هو ذلك الجسد المتاح للعين على الأقل. وكلّ شيء يحبس إلاّ النظر يا ناس! من هذه الزّاوية عمدت إلى كشف الجسد غير المتاح رؤيته بالنظر، ليس لأنّه غير مباح، بل لأنّه مباح جدّا؛ يباع ويشترى ويطبخ ويسقى ويهمل ويذبل ويغتصب ويثور ويهدأ. وللأمانة، لا أميل إلى الاستعارات النافرة البعيدة، بل أجتهد في خلق استعارات قريبة وإن كانت منفّرة، فكم من تنفير تفكير!
حاوية الحرية.. استعارة تونس ما بعد الثورة

8. في قصة "شارع الحريّة" تضعين حاوية قمامة خضراء مستوردة من إيطاليا في أجمل موقع من شارع الحريّة، وتتحرك الشرطة بصفاراتها من أجل كيس فيه فضلات. هل هذه استعارتك لتونس ما بعد الثورة: حريّة تتحول إلى حاوية؟

كلّ ما يكتبه الكاتب يتحوّل إلى ملك للقارئ ما أن يقع النّصّ بين يديه، فلا أمارس الوصاية في الفهم والتّأويل. ومع ذلك، فشارع الحريّة بالعاصمة التونسيّة "تونس" ماثل في قلبها قبل الثّورة وبعدها، قبل وجودي وبعد مماتي. إنّه شارع أكبر مِن الكاتب نفسه ومن كلّ مَن سيكتب عنه. أنا اخترت زاوية نظر فيها الكثير من تونس قبل الثورة وبعدها. الحاوية استعارة كبرى للشارع الذّي سيكنس كلّ من ليس ندّا له! ولولا الحريّة الّتي أمارسها أثناء الثورة وبعدها لما نشر هذا النّصّ ولما كان له أن يكون بين يديك بفضل البيع الإلكترونيّ. الحرّيّة أكبر من الشارع وأعلى؛ الحرّيّة في قلب من يسكن الشّارع، والتّونسيّ حرّ في كلّ الأوقات على قدر التزامه بالقانون ووعي العلاقة بين الحقوق والواجبات. لذلك ستُزال الحاويات!

سحر التراب.. واقعيتك السحرية الخاصة

9. استشهدتِ بالجاحظ وقلتِ إنّ آداب الشعوب تخبر عن أحوالها أكثر من التاريخ. لأنّ التاريخ يكتبه الأقوياء. واقعيتك ليست سحرية لاتينية، بل واقعية ترابية - فضلات وحاويات. هل هي واقعيتك السحرية الخاصة: سحر التراب؟

أعود لابن خلدون - التّونسيّ ههه – ليس سؤال التّاريخ مدح الملوك، بل في البحث عن أسباب نشأة وسقوط الحضارات والأمم والدّول. والتاريخ فنّ، والأدب فنّ، والقصّة فنّ الإنشاء والإخبار بالحال والأحوال. من هذه الزّاوية نحن الكتّاب نتحمّل مسؤوليّة حضاريّة في الكشف عن الأحوال دون تهويم وتهويل؛ إذ الواقع أشدّ تخييلا من الخيال في سُعده أو نحسه.

المرأة من عنوان الحداثة إلى جسد المشكلة

10. قلتِ جملة قوية: "لم أر للمرأة مشكلة، بل هي عنوان الحداثة". لكن في "في شوارع" جسد المرأة هو المشكلة كلّها. هل غيرتِ رأيك، أم أنّ الشارع هو من حوَّلها من عنوان للحداثة إلى جسد للمشكلة؟

الجملة مبتورة من سياقها. ولتنوير القرّاء: من جعل المرأة مشكلة هم السياسيّون الّذين وظّفوا المرأة لا قضاياها في الرّهانات السّياسيّة. إن المرأة ومنزلتها الاجتماعيّة والسياسيّة والثّقافيّة هي العنوان الأهمّ في الحداثة. لم أغيّر قناعاتي، بل كشفت كيف طوّع جسد المرأة ثقافيّا واجتماعيّا وسياسيّا لتغييب المرأة الذّات. والمرأة الّتي تنسج وجودًا حرّا متماهية مع جسدها وعقلها على حدّ السّواء، والحداثة عنوان من عناوين نهضة الشّعوب والمجتمعات. ولم تكن الحداثة في مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة حلاّ ثابتًا ناجعًا؛ إذ بات فهمنا للحداثة وممارستها مشكلة في حدّ ذاته. فللمشكلة جسد وعقل وأدوات تنفيذ، لذلك عرّت "شوارع" الجسد والذّهن والأدوات.

كتابة اليافعين.. العقل قبل الجسد




11. قلتِ: "علينا مشاركتها العقل الذي به كانت قبل تقديمها جسدًا الذي عليه كانت". هل كتابتك لليافعين "حكايات توتو وتاج الحياة وأوبا" هي محاولتك لتقديم المرأة كعقل، قبل تقديمها كجسد في "في شوارع"؟

الكتابة لليافعين تختلف ذهنيّا عن الكتابة للكبار. ولا يمكن المرور لعقل اليافع إلاّ عبر جسد اليافع أنثى وذكرا. وأجساد اليافعين هي أيضًا مختلفة وتحمل أجسادهم "عقدهم" وآمالهم. دور الكتابة تحرير العقد بتحرير الأجساد، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتحرير الأذهان. لليافع عقل حرّ يطوّع له الجسد ليدركه. وكتابتي لليافعين هي في تحرير الأجساد وإطلاق العنان للأحلام الّتي تستقرّ في الذّات، فلا فرق إذن بين جسد اليافع أو اليافعة المبتدع هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، لا تخلو أجساد النساء في "شوارع" من عقل؛ انظر نشيد الشّوارع مثلاً! حتّى تلك الشوارع الّتي اضطهدت فيها الأجساد لها عقل سخّرت له جسدها ليُدرك.

أوبا.. فلسطين كقصة لا كنشرة أخبار

12. هل كتبتِ "أوبا" عن فلسطين انطلاقًا من فكرة الجاحظ - أن قصة طفل يركض بعلم تصدق أكثر من نشرة أخبار يكتبها الأقوياء؟

صدّق، أوّل مرّة أقرأ فكرة الجاحظ هذه! كتبت قصّة "أوبا" احتفالًا دائمًا وثابتًا بيوم الأرض الفلسطينيّ الّذي يستمرّ 365 يوما حتّى في السّنة الكبيسة.

عدوى التجريب أم عدوى المجاملة في النقد؟

13. قلتِ إن على النقد أن تصيبه "عدوى التجريب وقلقه". هل النقد التونسي اليوم مصاب بعدوى التجريب أم بعدوى المجاملة؟

لا أدّعي أنّي أقرأ كلّ ما كُتب في النّقد في تونس وغير تونس، فالتّجريب وقلقه في العلوم الإنسانيّة حالة يجب أن تكون دائمة؛ إذ لا يتطوّر الإبداع إلاّ عبر النّقد. فإذا ركد النّقد ركد الإبداع، رغم انّ الإبداع يسبق النّقد دائمًا. على المبدع ألاّ يطمئنّ للنّقد، وعلى النّقد أن يكون جالبًا ومرغّبًا ومؤمنًا بقانون الحياة، قانون التطّوّر والتغيّر.

سؤال المرآة الأخيرة.. لو عادت التلميذة

14. لو عادت تلك التلميذة التي كانت تلتهم مجلات الثانوي ورأت مكتبتك اليوم بجوائزها - مرايا التراب وتوتو وتاج الحياة وأوبا وفي شوارع - أي كتاب ستختار أن تلتهمه أولًا؟

لو، افتراض الممتنع! يخزّن ذهني كلّ حالات الكتابة ورعبها الّتي انتابتني وأنا أكتب. لن أستطيع قراءة أيّ كتاب ممّا كتبت الآن، فأنا مزدحمة بروايتي "الوكواك"؛ فالزّمن الحقيقيّ هو زمن الحاضر، وغير ذلك محاولات وجود مرهقة دائما. شكرا على المحاورة والمجاورة.