منوعات

رملة كنت جنين ركامها: حين تتحول المدينة إلى نصّ... والذاكرة إلى وطن بديل ...

رملة كنت جنين ركامها: حين تتحول المدينة إلى نصّ... والذاكرة إلى وطن بديل ...
قبل 30 دقيقة
- عبدالرقيب الوصابي

المدخل: كتاب لا يسأل عن الحديدة بل يسائلها:


منذ صفحته الأولى، يضعنا خالد بُرَيْه أمام اعتراف منهجي حاسم: «الكتاب ليس كتاباً تاريخياً ولا يقاربه». هذا النفي ليس تواضعاً بل إعلان عن جنس كتابي مختلف. فنحن لسنا أمام مؤرخ يوثق الحديدة، ولا أمام جغرافي يصف تضاريسها، بل أمام كاتب يكتب ما يمكن تسميته، مع عبد المنعم أديب في مقدمته، بـ «السيرة المكانية»: كتاب بَيْنَيّ ينهل من منهَلين: التوثيق والإبداع الذاتي.


العنوان نفسه يلخص المشروع كله. «رملة كنت جنين ركامها» مستلٌّ من رسالة الجاحظ «الحنين إلى الأوطان»، على لسان أعرابي مشتاق. فالكتاب ليس عن مدينة قائمة، بل عن مدينة صارت ركاماً، وكان الكاتب جنيناً في رملها. إنه إذن كتاب رثاء، وكتاب بعث في آنٍ واحد.


أولاً: الحديدة ككائن حي لا كخارطة..


ما يميز بريه أنه لا يكتب عن الحديدة كخارج، بل كداخل. المدينة عنده ليست مكاناً يُزار، بل جسد يُسكن. يقول في إهدائه المؤثر: «لم أعشق مكاناً في الأرض مثلما عشقت مدينتي، كما لم أكره البقاء في مكان مثلما كرهت البقاء فيها، هي حجر الأم الحاضنة، وهي زنزانة».


هذا التناقض هو قلب الكتاب. الحديدة الأم والزنزانة، الجنة والمنفى. لذلك لا يصفها من الأعلى، بل من الداخل: من مقهاية التركي التي كانت ملتقى ثوار سبتمبر، إلى مكتبة الثقافة ومكتبة القائد، إلى مسجد شمسان ومسجد الرحمن العيسي وجامع القدس، إلى عادة السمك في السحور في رمضان، إلى مجالس القات وقراءة القرآن في باب مشرف والمطراق.


إنه توثيق للثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي الواسع، لا بالمعنى الرسمي. لا يهتم بالسلاطين والولاة، بل بالقراء والمؤذنين وأصحاب المقاهي وباعة الأسواق. وهنا تكمن قيمة الكتاب التوثيقية الحقيقية: إنه أرشيف شفاهي لمدينة مهمشة في المدونة اليمنية التي تركزت طويلاً على صنعاء وزبيد. لولا هذا الكتاب لضاعت أسماء كثيرة، وأصوات كثيرة، وحكايات كثيرة.


ثانياً: منهج الاسترسال.. الذاكرة ضد الأرشيف ..


يعترف المؤلف أنه كتب «عفو الخاطر»، وترك نفسه «تثرثر كيفما اتفق». وهذا ليس عيباً بنيوياً بل خيار جمالي. فالكتاب يكاد يخلو من «نقطة التوقف» كما لاحظ مقدمه، ويستعيض عنها بالفاصلة، كأن الحكي لا يريد أن ينتهي. إنه يحاكي حركة الذاكرة نفسها: متدفقة، متقطعة، تعود وتستطرد.


لكن هذا المنهج يضع الكتاب على حافة خطرة: حافة الحنين المثالي. فالذاكرة لا تحفظ المدينة كما كانت، بل كما تشتهي أن تكون. الحديدة في الكتاب مدينة نقية، عذبة، شاعرية، يكاد يغيب عنها الفقر والصراع والتهميش التاريخي لتهامة. يذكر المؤلف «القادمين من الكهوف» و«جريمة النسيان» تلميحاً، لكنه لا يدخل في تحليل بنيوي لما حدث: من ركّم المدينة؟ ولماذا؟ وما هي البنية السياسية التي جعلت تهامة هامشاً؟


هنا يتحول الحنين من فعل مقاومة إلى فعل هروب. الكاتب يختبئ في جمال المدينة لينسى خرابها، وهذا مفهوم إنسانياً، لكنه مأزق نقدياً. فالكتاب ينجح في إحياء الذكرى، لكنه يتردد في مواجهة التاريخ.


ثالثاً: اللغة.. سندس وإستبرق ومسك ..


اللغة هي الانتصار الأكبر للكتاب. بريه سليل مدرسة بيانية عريقة: الجاحظ والمنفلوطي والرافعي. لغته ليست لغة صحافة ولا لغة بحث، بل لغة نثر فني رفيع، مشبعة بالصور والاستعارات والتراكيب الموسيقية.


حين يصف المدينة يقول: «المدينة بساكنها، فهي أشبه بالنص، لا حياة له إلا بمعانٍ تنفخ فيه الحياة». وحين يصف أباه الراحل يقول إنه كان «روح المدينة وسناها». هذه اللغة لا تخبرك فقط، بل تُعديك بالشعور.


لكن هذا الارتفاع البياني له ثمن. أحياناً يتحول الجمال إلى إفراط. ففي مواضع كثيرة يطول الوصف على حساب الفكرة، ويتحول النثر إلى ما يشبه «عروس الحلوى بثلاثة أثواب» كما وصفها المقدم: سندس رقيق، وإستبرق متين، ومسك فواح. وهو وصف جميل، لكنه يكشف عن ميل الكاتب إلى التزيين أكثر من ميله إلى الحفر.


رابعاً: الأب.. السيرة داخل السيرة ..


لا يمكن قراءة الكتاب دون التوقف عند الرسالة الافتتاحية إلى الأب الراحل، الذي توفي في 11 رجب 1445هـ / 23 يناير 2024م. تلك الرسالة ليست مقدمة، بل هي قلب وجداني للكتاب كله.


الأب هنا ليس شخصاً، بل هو المدينة نفسها في صورتها الإنسانية: الحاضنة، والرمز، والعنوان. يقول: «كنت يا أبي روح المدينة، وكنت روحها». لذلك يصبح رثاء الأب رثاءً للمدينة، ورثاء المدينة رثاءً للأب. هذا التماهي يمنح الكتاب حرارة نادرة، لكنه في الوقت نفسه يشتت مركز الثقل: هل نقرأ سيرة مكان أم سيرة رجل؟ إنها سيرة مزدوجة، وهذا ما يجعل الكتاب مؤثراً، ويجعله أيضاً غير متوازن في بنيته.


خامساً: الغيابات التي يجب أن تُقال


أي مقاربة محكمة لا بد أن تسجل الغيابات:


1. غياب المرأة: الحديدة في الكتاب مدينة ذكورية بامتياز: الخطباء والقراء وأصحاب المقاهي. المرأة حاضرة كأم وكذكرى، لكنها غائبة كفاعلة ثقافية واجتماعية.


2. غياب النقد الاجتماعي: يتحدث عن المقاهي والموالد كثقافة، لكنه لا يسائل علاقات الفقر والسلطة في حارات الحديدة، ولا وضع الصيادين الذين يمجدهم.


3. غياب الآخر التهامي: يركز على مدينة الحديدة، ويعتذر عن تقصيره في الحديث عن تهامة كلها، لكن القارئ يشعر أن تهامة الأوسع - زبيد، بيت الفقيه، الزيدية - تستحق حضوراً أكبر في كتاب يدّعي تمثيل روحها.


هذه الغيابات لا تلغي قيمة الكتاب، لكنها تحدد حدوده: إنه كتاب ذاكرة انتقائية، لا موسوعة.


ما أود قوله هنا والآن؟


إن «رملة كنت جنين ركامها» كتاب ضروري لأنه يذكرنا بأن المدن لا تموت حين تُقصف، بل حين تُنسى. وبأن التوثيق ليس فقط وثائق وأرقاماً، بل أيضاً رائحة سمك السحور، وصوت قارئ في جامع شمسان، وحكاية مقهى قديم.


قيمة بريه أنه لم يكتب عن الحديدة من الخارج، بل من رملها، كجنين في ركامها. نجح في أن يجعل من الحنين فعلاً أدبياً مقاوماً للنسيان، وإن أخفق أحياناً في تحويل هذا الحنين إلى سؤال نقدي عن التاريخ والسلطة.


إنه كتاب يقرأ بالقلب، لكنه يستحق أن يُقرأ أيضاً بالعقل النقدي. فالمدينة التي أحبها بريه تستحق أكثر من الرثاء: تستحق الفهم، والمساءلة، والبعث.


- قارئ من اليمن.