الرياضة

اليمن اكبر من ادعاءات العابرين

اليمن اكبر من ادعاءات العابرين
المدرب العراقي فيصل عزيز
قبل 47 دقيقة
- عادل حويس

لم تكن معادن الرجال يوما تقاس بزخرف القول أو توهم المجد على حساب الحقيقة، وإنما بما تنطوي عليه السرائر من وفاء وما تفيض به النفوس من شهامة وحفظ للجميل.


وحين يقابل كرم الوفادة بنكران الفضل وترمى يد العون بحجارة الجحود والتعالي فإن المنطق لا ينجرف إلى مدارك الإساءة المبتذلة بل يسمو بالتذكير بحقائق التاريخ وثوابت الأخلاق التي لا تقبل القسمة على أوهام العظمة ولا تزييف الوقائع.


لقد أثارت التصريحات الأخيرة المنسوبة للمدرب العراقي فيصل عزيز والتي اختزل فيها اثني عشر عاما قضاها في الملاعب اليمنية بعبارات تنضح بالفوقية والادعاء موجة واسعة من الاستهجان والاستغراب معا.


فالحديث عن تعليم الرياضيين اليمنيين أبجديات النظافة الشخصية وادعاء فضل ابتداع الرواتب الشهرية لهم وصولا إلى الزعم الممجوج بأنهم "كانوا يعبدونه عبادة" لا يمثل فقط سقوطا مهنيا وأخلاقيا لمدرب أتيحت له فرصة العمل في بلد احتضنه بل يعكس انفصالا تاما عن الواقع واستخفافا معيبا بذاكرة شعب بأكمله وبارث رياضي عريق كان ولا يزال زاخرا بالكوادر والمواهب والنجاحات.


إن اليمن الذي خط في سفر البشرية أولى معالم الحضارة وأرخ للإنسانية فصولا باذخة من العزة لم يكن يوما – ولن يكون – بانتظار صكوك تهذيب أو دروس في السلوك من عابرين أطعمهم من خيره واحتواهم في أوقات الشدة.


فالشعب اليمني الذي شرع أبوابه وملاعب قلبه قبل منشآته لكل مدرب وخبير عربي إنما تحرك بدافع أصالته المتجذرة ونخوته التي تحسن الوفادة وتكرم الضيف لا ليتكئ هؤلاء لاحقا على أريكة المقابلات التلفزيونية والمنصات الرقمية لترويج بطولات وهمية تدغدغ نرجسية زائفة.


والرياضي اليمني بما يمتلكه من موهبة فطرية وعزيمة صنعت الإنجازات رغم قسوة الظروف وشح الإمكانيات أكبر بكثير من أن يختزل في صورة نمطية مبتذلة أراد المدرب تسويقها للتغطية على شح المنجز الرياضي الحقيقي أو لجلب أضواء خبت بريقها منذ زمن.


إن نكران الجميل هو أقسى دروب الخسة الإنسانية وأبشع صور السقوط القيمي فمن عجز عن رد الفضل وصيانة ميثاق العشرة والخبز والملح كان حريا به أن يلزم حدود الأدب والصمت.

لكن طبائع البشر تحكمها معادلات أزلية صاغها المتنبي قديما حين قال: "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته.. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا".

ومثل هذه الادعاءات السطحية التي تجنح إلى الإساءة والتعالي لن تخدش في جدار الكبرياء اليمني شيئا ولن تنال من قيمة الإنسان والرياضي اليمني بل ترتد سهامها على صاحبها لتكشف عن فقر في الوعي وضيق في الوجدان الإنساني قبل المهني.


يبقى الجاحد أسيرا لصغار نفسه ولا تسيء مثل هذه الهفوات إلا لمن نطق بها فالأرشيف الرياضي والذاكرة الحية لا تسجلان إلا بصمات الأوفياء الذين احترموا الملاعب التي احتضنتهم والجماهير التي هتفت لهم بينما تطوى صفحات التباهي الأجوف ومحاولات التطاول في زوايا التجاهل والهوان.


أما اليمن ورياضيوه فسيظلون كما عهدهم الميدان كراما في تعاملهم أوفياء لمن يحترمهم ومترفعين بأصالتهم عن الالتفات لأوهام المتنكرين لمنبت الوفاء.