كشف الخبير الاقتصادي أيمن عمر عن ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، محذراً من تداعيات اقتصادية واسعة قد تطال أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار في المنطقة والعالم، في ظل استمرار التوترات بشأن الملف النووي ومضيق هرمز.
وقال عمر، في تصريحات لوكالة "سبوتنيك" نُشرت اليوم السبت، إن الحديث عن احتمال استئناف الضربات على إيران لا يعني بالضرورة اتخاذ واشنطن قراراً نهائياً بالتصعيد العسكري، مشيراً إلى أن المواجهة لم تُغلق فعلياً رغم الهدنة والمساعي الدبلوماسية.
وأوضح أن الولايات المتحدة تواصل الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي، مع إبقاء الخيار العسكري قائماً بهدف تعزيز موقفها التفاوضي وإبقاء طهران تحت الضغط.
3 سيناريوهات لمستقبل المواجهة
وفي قراءته للمشهد، حدد الخبير الاقتصادي ثلاثة مسارات محتملة، أولها التوصل إلى تسوية جزئية تضمن إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود المفروضة على حركة الملاحة والتجارة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار حالة اللاحرب واللاسلم ، من خلال ضربات عسكرية محدودة ومتقطعة بالتوازي مع مفاوضات لا تحقق اختراقاً حاسماً، فيما يقوم السيناريو الثالث على انزلاق الأطراف إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تتجاوز حدود إيران وتمتد إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
ورجّح عمر استمرار السيناريو الثاني خلال المرحلة الراهنة، معتبراً أن احتمالات التصعيد الواسع تظل قائمة في حال تعثرت الجهود السياسية أو تبدلت الحسابات الاستراتيجية للأطراف المعنية.
ولفت إلى أن أي تصعيد جديد قد يرفع أسعار الطاقة ومعدلات التضخم وكلفة الوقود على المستهلكين الأميركيين، فضلاً عن انعكاساته على الاقتصاد العالمي، ما يشكل عبئاً اقتصادياً وسياسياً على الإدارة الأميركية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخلي واشنطن عن خياراتها العسكرية.
3 دوائر للتداعيات الاقتصادية
وفي ما يتعلق بالانعكاسات الاقتصادية للحرب، قسم عمر التداعيات إلى ثلاثة مسارات مترابطة تشمل الطاقة وأمن الإمدادات، والتجارة والتمويل، فضلاً عن الثقة والاستثمار.
وفي قطاع الطاقة، وصف مضيق هرمز بأنه أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن تدفقات النفط عبره تراجعت، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية التي استشهد بها، من نحو 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2025 إلى نحو 4.9 ملايين برميل في الربع الثاني من عام 2026، بالتزامن مع انخفاض تدفقات الغاز الطبيعي المسال بنحو 92%.
وحذّر من أن ارتفاع أسعار النفط لا يعوض بالضرورة خسارة الكميات المتاحة في الأسواق عند تعطل الإمدادات، لافتاً إلى أن دول الخليج تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضمان استمرار صادرات الطاقة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الذي عملت على بنائه خلال السنوات الماضية.
أما على صعيد التجارة والمال، فأشار إلى أن تداعيات الحرب تمتد إلى تكاليف الشحن البحري والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد، ما يؤدي تدريجياً إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويعيد الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات المستوردة والناشئة.
وأضاف أن هذه التطورات تضع المصارف المركزية أمام تحديات إضافية، إذ تجعل عودة خفض أسعار الفائدة أكثر تعقيداً، في وقت تواجه فيه الشركات والمستهلكون ارتفاعاً في تكاليف التمويل والإنتاج والاستهلاك.
وفي محور الاستثمار، أوضح عمر أن دول الخليج اتجهت خلال السنوات الماضية إلى تنويع اقتصاداتها والتوسع في قطاعات السياحة والخدمات والتمويل والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الأمني والسياسي.
وحذّر من أن استمرار التهديدات الأمنية لا يقتصر أثره على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى رفع مستوى المخاطر وتأجيل القرارات الاستثمارية، فضلاً عن زيادة العوائد التي يطلبها المستثمرون مقابل توظيف أموالهم في المنطقة.
الأسواق تترقب.. والحرب تُسعّر قبل اندلاعها
وفي قراءته لتأثير التهديدات المتكررة باستئناف الحرب، قال عمر إن الأسواق لا تنتظر وقوع الأحداث حتى تتفاعل معها، بل تبدأ بتسعير احتمالات حدوثها مسبقاً.
وأوضح أن المنطقة تتحمل جانباً من كلفة الحرب حتى في الفترات التي لا تشهد عمليات عسكرية، إذ تؤدي التصريحات المتعلقة باحتمال استئناف المواجهة إلى تقلبات أسعار النفط وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، فضلاً عن دفع الشركات إلى إعادة تقييم مسارات النقل والتوريد وتأجيل بعض قرارات الاستثمار.
وأشار إلى أن أسعار النفط شهدت تقلبات حادة خلال الأزمة، لافتاً إلى ارتفاع خام برنت إلى مستويات قاربت 145 دولاراً للبرميل في نيسان/أبريل، وفق تقديرات بعض مراكز الأبحاث، فيما سجل السعر الفوري ذروة عند نحو 138 دولاراً، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وأضاف أن الأسعار تراجعت لاحقاً قبل أن تتجاوز مجدداً مستوى 100 دولار مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، ثم تنخفض دون هذا المستوى في السادس من الشهر نفسه، معتبراً أن هذه التحركات تعكس مدى ارتباط أسواق الطاقة بالتطورات السياسية والعسكرية.
وعلى المدى البعيد، توقع عمر أن تسهم الأزمة في إعادة رسم خريطة الممرات الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، مع تزايد أهمية الطرق البديلة وخطوط الأنابيب والموانئ وشبكات السكك الحديدية التي تربط مناطق الإنتاج بأسواق الاستهلاك.
باب المندب في حسابات أمن الطاقة
وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية خط الأنابيب السعودي شرق - غرب ، الذي يتيح نقل النفط إلى البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ومنه إلى طرق التجارة العالمية.
واعتبر أن امتلاك الدول موانئ على أكثر من ساحل، وشبكات متطورة من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، وقدرتها على الوصول إلى أسواق متعددة، يمنحها فرصاً لتعزيز موقعها في التجارة الدولية، في ظل إعادة توزيع الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للممرات البحرية.
وختم عمر بالقول إن ما يجري لا يقتصر على أزمة نفطية أو مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، بل يمثل اختباراً لأمن الطاقة والتجارة الدولية وقدرة الاقتصاد العالمي على مواجهة اضطرابات الممرات البحرية.
وشدد على أن تجاوز تداعيات الأزمة يتطلب تسوية مستدامة تضمن استقرار الممرات البحرية وأسواق الطاقة والاستثمار، مؤكداً أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد شأناً أمنياً إقليمياً فحسب، بل أصبح عاملاً مؤثراً في استقرار الاقتصاد العالمي.