الصحة والحياة

البيض وصحة الدماغ.. ماذا تكشف الدراسات عن علاقته بالخرف؟

البيض وصحة الدماغ.. ماذا تكشف الدراسات عن علاقته بالخرف؟
قبل ساعة
- بشير إبراهيم

قد يكون البيض أكثر من مجرد وجبة إفطار شائعة؛ إذ تشير دراسات علمية إلى وجود علاقة محتملة بين تناوله بانتظام وانخفاض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، وهو أحد أكثر أسباب الخرف شيوعًا.


وتسلط هذه النتائج الضوء على عناصر غذائية موجودة في البيض، أبرزها الكولين، الذي يؤدي دورًا مهمًا في وظائف الدماغ والذاكرة. لكن هل يعني ذلك أن تناول البيض يحمي من الخرف؟ الإجابة تحتاج إلى قراءة نتائج الأبحاث وفهم حدودها العلمية.


دراستان تكشفان علاقة بين تناول البيض وخطر الخرف


توصلت دراسة منشورة عام 2024 في مجلة The Journal of Nutrition إلى وجود ارتباط بين تناول البيض وانخفاض خطر الإصابة بالخرف المرتبط بمرض ألزهايمر لدى كبار السن.


وشملت الدراسة 1024 شخصًا، بلغ متوسط أعمارهم نحو 81 عامًا، وتابعهم الباحثون لمدة قاربت 6.7 سنوات في المتوسط. وخلال فترة المتابعة، سُجلت 280 حالة إصابة بالخرف المرتبط بألزهايمر.


وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تناولوا البيض مرة واحدة أسبوعيًا أو أكثر سجلوا معدل خطر أقل مقارنة بمن نادرًا ما تناولوه. وبلغت نسبة الخطر النسبية المعدلة نحو 0.53، وهو ما يشير إلى انخفاض نسبي قدره 47% في معدل الخطر، وليس انخفاضًا مؤكدًا بنسبة مماثلة في احتمالات الإصابة لدى كل شخص.


وفي دراسة أخرى منشورة عام 2026 في المجلة نفسها، حلل الباحثون بيانات 39,498 مشاركًا، بمتوسط متابعة بلغ 15.3 سنة، ورصدوا 2,858 حالة إصابة بمرض ألزهايمر.


وأشارت النتائج إلى أن تناول البيض مرتين إلى أربع مرات أسبوعيًا ارتبط بانخفاض نسبي قدره 20% في معدل الخطر، بينما ارتبط تناوله خمس مرات أسبوعيًا أو أكثر بانخفاض قدره 27%، مقارنة بمن نادرًا ما تناولوه.


وتعزز الدراستان وجود علاقة محتملة بين استهلاك البيض وصحة الدماغ، لكنهما لا تثبتان أن البيض هو السبب المباشر في انخفاض خطر الإصابة بالمرض.


ما السر وراء ارتباط البيض بصحة الدماغ؟


يحتوي البيض على مجموعة من العناصر الغذائية المهمة، ويأتي الكولين في مقدمتها، وهو عنصر يحتاج إليه الجسم لإنتاج مادة الأستيل كولين، وهي ناقل عصبي يشارك في عمليات الذاكرة والتعلم ووظائف أخرى في الجهاز العصبي.


كما يدخل الكولين في تكوين أغشية الخلايا، ويسهم في عدد من العمليات الحيوية الضرورية لعمل الجسم والدماغ.


وتحتوي البيضة الكبيرة المسلوقة على نحو 147 ملليغرامًا من الكولين، وفق بيانات المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، ما يجعل البيض أحد المصادر الغذائية المهمة لهذا العنصر.


وأشارت دراسة عام 2024 إلى أن الكولين قد يفسر جزءًا من العلاقة التي رصدها الباحثون بين تناول البيض وانخفاض خطر الخرف المرتبط بألزهايمر، إذ قدّروا مساهمته بنحو 39% من الارتباط الإحصائي.


لكن هذه النتيجة لا تعني أن الكولين وحده يفسر التأثير المحتمل، أو أن زيادة تناوله تضمن حماية الذاكرة من التدهور.


كم مرة تناول المشاركون البيض خلال الدراسات؟


لم تعتمد الدراستان على نمط استهلاك واحد؛ فقد رصدت دراسة 2024 ارتباطًا إيجابيًا لدى الأشخاص الذين تناولوا البيض مرة أسبوعيًا أو أكثر، بينما درست أبحاث 2026 فئات مختلفة من الاستهلاك، وظهرت ارتباطات عند تناول البيض مرتين إلى أربع مرات أسبوعيًا، وكذلك خمس مرات أو أكثر.


ومن المهم عدم تحويل هذه النتائج إلى وصفة غذائية موحدة أو توصية بتناول عدد محدد من البيض أسبوعيًا بهدف الوقاية من ألزهايمر؛ فالأبحاث رصدت عادات المشاركين الغذائية وتابعت حالتهم الصحية، ولم تختبر بصورة تجريبية ما إذا كان فرض تناول البيض يمنع المرض.


كما أن العادات الغذائية والصحية الأخرى قد تؤثر في النتائج، وهو ما يجعل تفسير العلاقة أكثر تعقيدًا من ربطها بطعام واحد.


هل تناول البيض يمنع الإصابة بألزهايمر؟


حتى الآن، لا توجد أدلة علمية كافية للقول إن تناول البيض يمنع الإصابة بمرض ألزهايمر أو يعالج الخرف. فالدراستان المذكورتان من الدراسات الرصدية، وهذا النوع من الأبحاث يستطيع الكشف عن ارتباطات بين العادات الغذائية والنتائج الصحية، لكنه لا يثبت وحده أن أحدهما تسبب في الآخر.


كما أن المراجعات العلمية التي تناولت علاقة استهلاك البيض بالوظائف الإدراكية أشارت إلى أن النتائج ليست متطابقة في جميع الدراسات، وأن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد طبيعة العلاقة بصورة أكثر دقة.


لذلك، يمكن إدراج البيض ضمن نظام غذائي متوازن يوفر للجسم البروتين والعناصر الغذائية المهمة، لكن لا ينبغي الاعتماد عليه وحده لحماية الذاكرة أو الوقاية من الخرف.


وتظل صحة الدماغ مرتبطة بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها جودة التغذية، والنشاط البدني، والنوم الجيد، ومتابعة عوامل الخطر الصحية، إلى جانب الاهتمام بالصحة العامة مع التقدم في العمر.


وتقدم الدراسات الحديثة مؤشرًا يستحق الاهتمام بشأن العلاقة بين البيض وصحة الدماغ، لكنها لا تحول هذا الغذاء إلى وسيلة مؤكدة للوقاية من ألزهايمر؛ فالحفاظ على نمط حياة صحي ومتنوع يظل النهج الأكثر توازنًا لدعم الصحة على المدى الطويل.