تجددت موجة التهديدات بوجود قنابل على متن طائرات مدنية وفي مؤسسات إعلامية أوروبية، اليوم الجمعة، ما دفع السلطات إلى إخلاء مبانٍ وتعليق رحلات وتحويل مسارات طائرات، وسط تحقيقات بشأن احتمال ارتباط هذه الحوادث بحملة منظمة من الحرب الهجينة أو محاولات لإرباك الأمن والاستقرار في أوروبا.
وفي أحدث التطورات، أعلنت السلطات التشيكية تلقي بلاغات جديدة تستهدف رحلات جوية من مطار براغ وإليه، فيما حُوّل مسار طائرة تابعة لشركة ويز إير كانت متجهة من العاصمة التشيكية إلى روما.
كما تلقت السلطات البرتغالية إنذاراً كاذباً بوجود متفجرات على متن طائرة انطلقت من لشبونة، بينما شهد مطار كوبنهاغن استنفاراً أمنياً عقب تهديدات مماثلة.
وفي إيطاليا، أفادت وسائل إعلام محلية بتحويل مسار رحلة جوية إلى مدينة البندقية بعد تلقي إنذار بوجود قنبلة على متنها. وأكدت السلطات التشيكية، في المقابل، استئناف الرحلات المغادرة من براغ بعد إخضاعها للفحوص الأمنية، من دون العثور على أي مواد متفجرة.
ولم تقتصر التهديدات على قطاع الطيران، إذ امتدت الجمعة إلى مؤسسات إعلامية في العاصمة الأيرلندية دبلن، حيث أُخليت مكاتب هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية (RT )، وصحيفة آيريش إندبندنت ، ومكاتب محطتي نيوز توك و توداي إف إم ، قبل أن تسمح السلطات بعودة الموظفين واستئناف البث.
عشرات الرحلات تحت التهديد
وتأتي هذه التطورات بعد موجة بلاغات كاذبة استهدفت نحو 20 رحلة تجارية أوروبية الخميس، لليوم الثالث على التوالي، ما دفع فرنسا وإيطاليا وبلغاريا إلى إرسال مقاتلات عسكرية لمرافقة طائرات مدنية، فيما جرى تحويل مسارات عدد من الرحلات، وهبطت جميع الطائرات المتأثرة بسلام من دون العثور على متفجرات، وفق وكالة فرانس برس .
وشملت الحوادث رحلات تابعة لشركات طيران أوروبية، بينها إير لينغوس و رايان إير و ويز إير ، وسط إجراءات أمنية مكثفة في عدد من المطارات، شملت تفتيش الطائرات والأمتعة وإجلاء الركاب.
رسائل سياسية وشبهات الحرب الهجينة
وأثارت طبيعة التهديدات وتزامنها وانتشارها في دول أوروبية عدة تساؤلات بشأن الجهات التي تقف وراءها والدوافع المحتملة، خصوصاً أن بعض الرسائل الإلكترونية تضمنت إشارات سياسية، وزعم مرسلوها الانتماء إلى حركة روسية محظورة تُعرف باسم Male State .
لكن مؤسس الحركة نفى أي صلة لها بالرسائل، فيما لم تتمكن الجهات المعنية من تحديد هوية المرسلين أو التحقق من ارتباط الحوادث بجهة واحدة.
وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية الإسباني التهديدات بأنها تبدو شكلاً من العدوان الهجين والحرب النفسية ، من دون تحديد الجهة المسؤولة، فيما نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مسؤولين استخباراتيين أن البلاغات تحمل سمات حملات الترهيب المرتبطة بالحرب الهجينة الروسية.
في المقابل، اعتبر مفوض النقل الأوروبي أبوستولوس تسيتسيكوستاس أنه من السابق لأوانه الجزم بوجود صلة بين الحوادث، في ظل استمرار التحقيقات.
التكنولوجيا في خدمة إرباك الطيران
ولا تقتصر المخاوف على احتمال استهداف أنظمة الطائرات أو اختراق شبكات المطارات، بل تمتد إلى توظيف المعلومات المتاحة علناً عبر الإنترنت في تنفيذ تهديدات قادرة على تعطيل حركة الملاحة الجوية.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة الغارديان ، فإن بيانات الرحلات ومواعيدها وأنواع الطائرات متاحة للجمهور، ما يتيح صياغة تهديدات تبدو دقيقة من دون الحاجة إلى اختراق قواعد بيانات شركات الطيران أو أنظمة تشغيلها.
وتكمن خطورة هذه الأساليب في أن مجرد تلقي بلاغ بوجود قنبلة يفرض على السلطات التعامل معه بجدية، عبر تحويل مسار الطائرة أو تأخيرها وإخضاعها والركاب والأمتعة للتفتيش، حتى يتبين عدم وجود خطر.
ونقلت وكالة رويترز عن إيليران ألموغ، الرئيس التنفيذي لشركة Cyviation المتخصصة في الأمن السيبراني للطيران، أن التهديدات الكاذبة قد تستهدف تعطيل العمليات ومراقبة كيفية استجابة شركات الطيران والمطارات والسلطات الأمنية.
هل تقف جهة واحدة وراء الهجمات؟
وزادت الشكوك بشأن احتمال وجود حملة أوسع مع تزامن تهديدات الطيران مع هجمات سيبرانية استهدفت أنظمة تبريد متاجر ومرافق مرتبطة بتخزين الدم في أوروبا خلال الفترة نفسها.
غير أن هذا التزامن لا يشكل، حتى الآن، دليلاً على وجود ارتباط عملياتي بين الحوادث، كما لم تُنشر أدلة تثبت اختراق أنظمة الطائرات أو استخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة التهديدات أو ارتباط الوقائع بالتشويش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
وفي ظل استمرار البلاغات والتحقيقات، تواجه المطارات وشركات الطيران تحدياً متزايداً يتمثل في التعامل مع التهديدات الرقمية، والتمييز بين الإنذارات الحقيقية والكاذبة، من دون المساس بمعايير سلامة الركاب.
وبين حوادث متفرقة واحتمال وجود حملة منظمة، يبقى السؤال المطروح: هل تستغل جهات مجهولة حساسية قطاع الطيران لإرباك أوروبا، أم أن القارة تواجه شكلاً جديداً من الحرب الهجينة التي تتجاوز الهجمات العسكرية التقليدية إلى تعطيل المؤسسات والخدمات الحيوية؟