أخبار

من تكساس إلى كانساس.. الديمقراطيون يخترقون حصون ترامب

من تكساس إلى كانساس.. الديمقراطيون يخترقون حصون ترامب
ليلة الانتصار الديمقراطي
قبل 51 دقيقة
- نجيب العصار

لم تكن ليلة الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني مجرد ليلة انتخابية عادية في الولايات المتحدة؛ فقد تحولت إلى احتفال سياسي واسع داخل المعسكر الديمقراطي، بعدما تدفقت نتائج الاقتراع حاملة انتصارات غير مسبوقة في ولايات ظلت لعقود محسوبة على الجمهوريين. وبينما علت هتافات أنصار الحزب الديمقراطي في مقار الحملات الانتخابية، كان خصومهم الجمهوريون يواجهون خسائر امتدت من مقاعد الكونغرس إلى مناصب حكام الولايات.

ولم تتوقف مظاهر الابتهاج عند استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، بل تضاعفت مع سقوط مرشحين حظوا بدعم مباشر من الرئيس دونالد ترامب، ونجاح وجوه سياسية جديدة في اختراق معاقل جمهورية تقليدية، بينها تكساس وكانساس وساوث كارولينا.

وبالنسبة إلى ترامب، الذي لم يكن اسمه مدرجاً على بطاقات الاقتراع، بدت النتائج بمثابة اختبار سياسي مباشر لسياساته خلال ولايته الثانية، ورسالة من الناخبين بشأن الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة وأداء إدارته.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية لأنها انتخابات تجديد نصفي، وهي انتخابات تُجرى في منتصف الولاية الرئاسية كل عامين، ويُنتخب خلالها جميع أعضاء مجلس النواب، ونحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، إلى جانب عدد من حكام الولايات والمسؤولين المحليين. وغالباً ما تتحول إلى استفتاء سياسي على أداء الرئيس وحزبه.

وفيما يلي عشرة تحولات ونتائج رئيسية تكشف أبعاد الخريطة السياسية الجديدة في الولايات المتحدة.

الكونغرس يتحول إلى قبضة ديمقراطية

كان الحدث الأبرز في الانتخابات نجاح الديمقراطيين في انتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، من الجمهوريين، في تحول يمنح المعارضة نفوذاً واسعاً خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.


وتعني هذه النتيجة أن الرئيس سيواجه برلماناً تسيطر عليه أغلبية من الحزب المنافس، ما يضع قيوداً سياسية وتشريعية على تمرير أجندته، ويمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على مراقبة أداء الإدارة وفتح التحقيقات بشأن سياساتها وقراراتها.

كما تتيح السيطرة على مجلس الشيوخ للديمقراطيين التأثير في المصادقة على كبار المسؤولين الحكوميين والقضاة الفيدراليين، وهو ما يجعل نتائج الانتخابات تتجاوز مجرد توزيع المقاعد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.

تكساس.. اختراق تاريخي يهز المعقل الجمهوري

شكّلت تكساس واحدة من أبرز مفاجآت الانتخابات، بعدما فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ، متغلباً على الجمهوري كين باكستون، المدعي العام السابق للولاية.

وتكمن أهمية هذا الانتصار في أن تكساس ظلت لعقود من أهم القواعد الانتخابية للحزب الجمهوري، ولم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1988.

ولم تكن خسارة باكستون مجرد فقدان مقعد في مجلس الشيوخ، بل حملت بعداً سياسياً إضافياً، بالنظر إلى دعم ترامب له خلال الانتخابات التمهيدية، ومساعدته على تجاوز السيناتور الجمهوري المخضرم جون كورنين.

وفي المقابل، مثّل فوز تالاريكو صعوداً لافتاً لوجه ديمقراطي شاب، يستند في خطابه إلى خلفيته الدينية ودراسته اللاهوتية، ويوظف القيم المسيحية في الدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية والتضامن، في مواجهة الخطاب الديني المحافظ الذي ارتبط طويلاً باليمين الجمهوري.

ولم تقتصر المفاجأة في تكساس على مجلس الشيوخ؛ إذ فازت الديمقراطية جينا هينوخوسا بمنصب حاكمة الولاية، متغلبة على الحاكم الجمهوري غريغ أبوت، لتصبح أول امرأة لاتينية تتولى المنصب، وأول حاكمة ديمقراطية للولاية منذ تسعينيات القرن الماضي.

وهكذا تحولت تكساس، التي اعتُبرت طويلاً ضمانة انتخابية للجمهوريين، إلى إحدى أبرز ساحات الاختراق الديمقراطي في انتخابات 2026.


كانساس.. قس يكسر احتكاراً جمهورياً دام عقوداً


في كانساس، حقق القس الميثودي آدم هاميلتون فوزاً لافتاً بمقعد مجلس الشيوخ، بعد تغلبه على السيناتور الجمهوري روجر مارشال.

وتحمل النتيجة دلالة تاريخية؛ فالولاية لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1932، ما يجعل فوز هاميلتون اختراقاً لواحد من أكثر المعاقل الجمهورية رسوخاً.

ويُعرف هاميلتون بتأسيسه كنيسة القيامة الميثودية المتحدة، وهي من المؤسسات الكنسية البارزة في الولايات المتحدة، كما ارتبط اسمه بنقاشات دينية واجتماعية تتناول التسامح والعدالة والعلاقة بين الإيمان والسياسة.

وخلال حملته، سعى إلى مخاطبة الناخبين المعتدلين والمستقلين، مقدماً نفسه بوصفه ديمقراطياً ذا مرجعية دينية، بعيداً عن الاستقطاب الحزبي الحاد.

ويكتسب فوزه، إلى جانب انتصار تالاريكو في تكساس، أهمية في إظهار تنوع الخطاب الديمقراطي وقدرته على مخاطبة قطاعات من الناخبين المتدينين.


آيوا.. عودة الديمقراطيين إلى مجلس الشيوخ


شهدت ولاية آيوا تحولاً انتخابياً مهماً بفوز الديمقراطي جوش توريك على الجمهورية آشلي هينسون، في السباق على مقعد مجلس الشيوخ الذي كانت تشغله جوني إرنست.

وتبرز أهمية النتيجة بالنظر إلى التحول السياسي الذي شهدته الولاية خلال السنوات الأخيرة؛ فبعدما دعمت باراك أوباما في انتخابات 2008 و2012، اتجهت تدريجياً نحو الجمهوريين، وصوتت لترامب في الانتخابات الرئاسية الثلاث الأخيرة.

ويمثل توريك تياراً ديمقراطياً يميل إلى الوسط، ويركز على القضايا الاقتصادية والحياة اليومية للأمريكيين، كما يحمل تجربة شخصية ورياضية لافتة، إذ مارس كرة السلة على الكراسي المتحركة وشارك في الألعاب البارالمبية.

ويشير فوزه إلى أن الديمقراطيين تمكنوا من استعادة موطئ قدم في ولاية لم تعد تُصنف ضمن مناطق نفوذهم التقليدية.


ميشيغان.. عبدول السيد يحقق اختراقاً سياسياً


كان فوز الديمقراطي عبدول السيد بمقعد مجلس الشيوخ في ميشيغان من النتائج التي سلطت الضوء على صعود التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.

وتغلب السيد، وهو أمريكي من أصل مصري، على الجمهوري مايك روجرز، في سباق اتسم باستقطاب سياسي واضح، خصوصاً بشأن مواقفه من إسرائيل والحرب على قطاع غزة.

ويُعد السيد من الوجوه التقدمية التي تتبنى خطاباً يركز على العدالة الاقتصادية والرعاية الصحية والقضايا الاجتماعية، وقد واجه خلال حملته انتقادات وضغوطاً من أطراف سياسية داخل الحزب وخارجه.

ويكتسب فوزه أهمية إضافية في ظل النقاش المتصاعد داخل الحزب الديمقراطي بشأن المواقف من الحرب الإسرائيلية على غزة، وحدود تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية والعامة.

كما يعكس وصوله إلى مجلس الشيوخ اتساع حضور المرشحين ذوي الخلفيات الثقافية والدينية المتنوعة في الحياة السياسية الأمريكية.


ساوث كارولينا.. طبيبة ديمقراطية تهزم مرشحة ترامب


في ولاية ساوث كارولينا، حققت الطبيبة الديمقراطية آني أندروز فوزاً لافتاً بمقعد مجلس الشيوخ، متغلبة على الجمهورية دارلين غراهام، التي كانت قد تولت المقعد عقب وفاة شقيقها السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام.

وتكتسب النتيجة أهميتها من المكانة الجمهورية التقليدية للولاية، التي ظلت بعيدة عن المنافسة الديمقراطية الجادة في انتخابات مجلس الشيوخ لعقود.

كما حملت الهزيمة دلالة سياسية مرتبطة بتدخل ترامب في السباق، بعدما أعلن دعمه للمرشحة الجمهورية.

ويضاف هذا الفوز إلى سلسلة الاختراقات الديمقراطية في الولايات التي صوّتت لمصلحة ترامب في الانتخابات الرئاسية السابقة، بما يعكس اتساع نطاق التحول الانتخابي خارج الولايات المتأرجحة المعتادة.


أوهايو.. عودة شيرود براون إلى مجلس الشيوخ


شهدت أوهايو واحدة من أبرز المفاجآت الانتخابية بفوز الديمقراطي شيرود براون على الجمهوري جون هوستد في سباق مجلس الشيوخ.

وتحمل عودة براون أهمية خاصة؛ إذ سبق أن خسر مقعده في انتخابات عام 2024، قبل أن يتمكن من استعادته في مواجهة سياسية جديدة.

وتُعد أوهايو من الولايات التي شهدت تحولاً تدريجياً نحو الجمهوريين خلال السنوات الأخيرة، كما أنها الولاية التي ينتمي إليها نائب الرئيس جيه دي فانس، ما يمنح النتيجة بعداً سياسياً يتجاوز حدود المنافسة المحلية.

ويؤشر فوز براون إلى قدرة الديمقراطيين على استعادة مواقع خسروها في مناطق شهدت تحولات انتخابية لمصلحتهم خلال السنوات الماضية.


نيويورك.. التيار التقدمي يواصل توسيع حضوره


لم تقتصر مكاسب الديمقراطيين على الولايات ذات الأغلبية الجمهورية، بل امتدت إلى داخل الحزب نفسه، مع بروز شخصيات تنتمي إلى التيار التقدمي والديمقراطيين الاشتراكيين.

ويطرح هذا التيار برنامجاً سياسياً يركز على توسيع الخدمات العامة، وتحسين الرعاية الصحية، وتعزيز حقوق العمال، وخفض تكاليف السكن والمعيشة، إلى جانب مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

وتكشف هذه التحولات عن استمرار النقاش داخل الحزب الديمقراطي بين المؤسسة التقليدية والتيارات الأكثر يسارية، بشأن طبيعة البرنامج السياسي الذي ينبغي أن يتبناه الحزب في المرحلة المقبلة.

كما تعكس اتساع مساحة المنافسة داخل الحزب، خصوصاً في المدن الكبرى التي تشهد حضوراً قوياً للشباب والنقابات والحركات الاجتماعية.


نيوجيرسي.. حضور متزايد للأمريكيين من أصول مهاجرة"


أظهرت نتائج الانتخابات اتساع الحضور السياسي للأمريكيين المنحدرين من أصول مهاجرة، ومن بينهم شخصيات عربية ومصرية، في مشهد يعكس التنوع المتزايد داخل المؤسسات السياسية الأمريكية.

ويبرز هذا التحول في صعود مرشحين من خلفيات ثقافية ودينية متنوعة، ممن استطاعوا بناء قواعد انتخابية تتجاوز مجتمعاتهم المحلية، مستفيدين من قضايا الخدمات العامة والاقتصاد والرعاية الصحية.

وتكتسب هذه المشاركة أهمية في ظل النقاش الأمريكي بشأن الهجرة والهوية والتمثيل السياسي، ولا سيما مع تنامي حضور الجاليات العربية والإسلامية في عدد من الولايات.


ترامب أمام اختبار سياسي جديد


على الرغم من أن انتخابات التجديد النصفي لا تعني تغيير الرئيس أو انتهاء ولايته، فإن خسارة حزبه السيطرة على مجلسي الكونغرس تضع ترامب أمام واقع سياسي مختلف خلال العامين المقبلين.

فالديمقراطيون باتوا يمتلكون أدوات تشريعية ورقابية أوسع، بما في ذلك القدرة على تعطيل أجزاء من أجندته السياسية، وفتح تحقيقات بشأن أداء إدارته، ومراجعة قراراتها.

كما أن خسارة عدد من المرشحين الذين دعمهم الرئيس شخصياً، وفي مقدمتهم باكستون في تكساس، تعيد طرح الأسئلة بشأن مدى قدرة تأييده على حسم الانتخابات، خصوصاً في الولايات التي كانت تُعد آمنة للجمهوريين.

وفي المقابل، لا تعني هذه النتائج أن الديمقراطيين تجاوزوا خلافاتهم الداخلية، أو أن الطريق أمامهم بات خالياً من التحديات، إذ لا يزال الحزب مطالباً بتقديم برنامج واضح يستجيب للمخاوف الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت قطاعات واسعة من الناخبين إلى التصويت ضده.


المصدر: (وكالات)