في خضم سرديات الحرب اليمنية الطويلة، تختار الكاتبة سكينة شجاع الدين في مجموعتها "محاريب قد تلين" أن تكتب الحرب لا كحدث، بل كأثر. وتختار أن تكتب المرأة لا كقضية، بل كذات. ومن ص 31 إلى ص 119، تضعنا أمام مختبر حقيقي لفن القصة القصيرة جداً، حيث تتجاوز هذه المدونة الثمانين نصاً، كل نص لا يتجاوز الخمسة أسطر، لكنه يحمل حمولة رواية.
والعنوان مفتاح القراءة. المحراب مكان مقدس، صلب، للخشوع والثبات. وإضافة "قد تلين" بفعل الاحتمال، هي إعلان نقدي مبكر: لا شيء مقدس وثابت هنا. كل المحاريب - محراب الحب، محراب الوطن، محراب الرجولة - كلها محاريب قابلة للتصدع والمساءلة.
أولاً: اقتصاد المبنى.. فن الحذف:
القصة القصيرة جداً ليست قصة قصيرة مختصرة، بل جنس أدبي مستقل له قوانينه: التكثيف، المفارقة، الانزياح، والقفلة الصادمة. وهذا ما تتقنه الكاتبة.
فلننظر. معا في نص "ذوبان" ص 31:
خرج هائماً على وجهه يبحث عنها، انفجر حنيناً إليها علّه يراها، أخفوا أشلاءها، نبض قلبها انبعث بالأشواق.
أربع جمل فعلية متتابعة، دون رابط، دون وصف. حكاية حب، حرب، موت، وخلود في 18 كلمة. هذا هو التكثيف بمعناه البنيوي.
وفي نص "صدفة" ص 32:
خرج من مخدعها غاضباً. لم يكن يتوقع أن معاناته كانت هي سببها، أوهمت الجميع بعقمه، وحين عرف الحقيقة من أحد أصدقائه، سقط الجحيم من داخله.
القصة هنا ليست عن العقم البيولوجي، بل عن عقم الحقيقة. القفلة "سقط الجحيم من داخله" تقلب الدلالة: الجحيم لم يسقط عليه، بل سقط منه، كأنه كان يحمله.
ثانياً: محاريب المرأة.. من القطع إلى الثأر:
المرأة هي المحراب المركزي الذي يلين ويقسو في آن. يمكن تتبع تحولها عبر ثلاثة أطوار في هذه المدونة:
طور الضحية المقطوعة:
ففي "قهر" ص 38: "تمنت أن تعيش كغيرها من البنات... حتى جاء هو - زوج مسن - قطعها." فعل "قطعها" ليس طلاقاً ولا ضرباً، بل قطع زراعي، كأنها غصن. اختصار مرعب لظاهرة الزواج المبكر.
وفي "حرمان" ص 35: "بين أوْنة وأخرى يتجدد الشجار؛ هي تحلم بمستقبل يتسع لها وهو يضيق عليها باسم الرجولة... وفي لحظة واحدة اختصر الحوار بالقتل." هنا يصبح القتل هو علامة الترقيم الأخيرة للحوار الذكوري.
- طور الوعي والثأر:
لا تظل المرأة مقطوعة. ففي "عاقبة" ص 37: "هو يظن الحب أماناً وهي تحلم بالحرية، فجأة ثارت الريح في صدرها، ثأرت لروحها، ودفنت الحب تحت ركام الحرية." ثأر مشروع، الحرية تعلو على الحب.
وفي "انتصار" ص 34: "على سفينة الآمال أبحرت في عينيه حتى بلغت مرافئ قلبه... وحين ظنت النجاة حطّم أشرعتها." الانتصار في العنوان مفارقة ساخرة، الانتصار الحقيقي هو اكتشاف التحطيم.
- طور الخذلان المركب:
في "عرفان" ص 113: "احتوته، أعانته... منحته ما يشبه السعادة، شكرها بطريقته، تزوج بأخرى."
وفي قصتها القصيرة جدا "مكافأة" ص 114: "أشرقت حياتها به... دخلت جحيمه طوعاً، وحين أتمت إنقاذه انطفأت." هنا تتحول المرأة من منقذة إلى وقود يحترق لينجو الآخر.
ثالثاً: محراب الوطن.. الوطن كقماش قابل للاقتلاع
لا تكتب سكينة عن السياسة مباشرة، بل تكتب عن أثرها في الخيمة والجسد.
ففي "زوبعة" ص 111: "تعصف رياح الشتاء بالخيام... ترتجف الأجساد الهشة والوطن مجرد قماش مهدد بالاقتلاع." هذه أبلغ تعريفات الوطن في زمن النزوح. الوطن ليس خريطة، بل قماش.
أما في قصتها الأخرى والمعنونة بـ"خيانة" ص 88: "عثروا عليه ينزف، تشاوروا أي مرهم عارض بجسده؟... احتل الضجيج المكان وعند أول الفجر كان الوطن قد نزف." انتقال ذكي من نزيف الجسد الفرد إلى نزيف الوطن الجمعي. الضجيج والتشاور هما من يقتل الوطن.
وبالوقوف على قصة "فوضى" ص 87:
"لم يحتمل صراخهم، خرج هائماً على وجهه، بحث عن ملاذ، بذر خيبته على الأرض، عاد بحفنة وطن." حفنة فقط، بعد كل هذا البحث. اقتصاد الخيبة.
رابعاً: لغة الشاعرة التي تكتب قصة:
لغة سكينة شاعرية بامتياز، وهذا سر جاذبيتها ومآخذها في آن.
جماليات لغتها:
1. الأفعال المتراكمة: "سقطت روحها في بحر الذكريات، انحدرت كسحب ثقيلة، تهشم الأفق مطراً" في "جدب" ص 65. إيقاع انحداري يوازي انهيار الروح.
2. الانزياح الحسي: "تغتلي مشاعرها في غربته" "ضجيج" ص 82، "طاحونة لا تهدأ بين جنبيها" "كدر" ص 110.
3. توظيف العامية الدلالية: "قانون" و "نظام السير" و "خارج التغطية" و "انفصل الخط" - لغة يومية تتحول إلى استعارة وجودية كما في "خارج التغطية" ص 59.
المأخذ النقدي الذي تفرضه الأمانة العلمية:
في مدونة بهذا الحجم (80 نصاً)، يحدث تفاوت طبيعي، إذ أن بعض النصوص تتحول من قصة قصيرة جداً إلى خاطرة وجدانية؛ لافتقارها لعنصر الحكاية والقفلة، مثل "تيه" ص 108: "تذرع الشوارع بثياب مثقوبة... طفلة تبحث عن بيت والمدينة بلا عنوان." جميلة كصورة، لكنها بلا مفارقة قصصية.
كما أن تكرار ثيمة "الغدر العاطفي" بأكثر من عشرين عنواناً متشابهاً (غدر، خيانة، وفاء، وحدة، غدر مرة أخرى) قد يخلق أفق توقع واحد عند القارئ. وكان بالإمكان تنويع المدونة بثيمات أخرى.
أما السؤال الأهم في هذا السياق، لماذا قد تلين المحاريب؟ وما النواتج الدلالة المرجوة بعد هذا الكشف والإيضاح؟
تلين المحاريب في هذه المجموعة؛ لأن الكاتبة لا تريدنا أن نصلي فيها بخشوع أعمى. تريدنا أن نلمسها، أن نختبر صلابتها، أن نكتشف أن محراب الرجولة يضيق باسم الرجولة، وأن محراب الحب يحطم الأشرعة بعد كل مواسم اللهفة والاشتياق، وأن محراب الوطن مجرد قماش.
سكينة شجاع الدين تقدم في ص 31-119 نموذجاً ناضجاً للقصة القصيرة جداً اليمنية المكتوبة بيد امرأة، تعرف كيف تضع حرباً كاملة في خمسة أسطر، وكيف تجعل من حفنة تراب دافئة - كما في نصوصها الأخرى - قفلة تليق بمحراب قد لان فعلاً.
إنها كتابة لا تبحث عن التعاطف، بل عن المساءلة. وهذا ما يجعلها جديرة بالنشر والدراسة، وجديرة أكثر بالتحاور والمدارسة.
- قارئ من اليمن.
المراجع:
1. سكينة شجاع الدين، محاريب قد تلين، دار الكتب اليمنية، صنعاء، ط2، 2026.
2. جاسم خلف إلياس، شعرية القصة القصيرة جداً، دار نينوى، 2010.
3. أحمد بوزفور، القصة القصيرة جداً: مقاربة نقدية.