.. نافذة من حياتي..

قبل 22 ساعة


محمد إسماعيل الأبارة
ارشيف الكاتب

أنا والوزير الدكتور عبدالملك منصور

في تسعينيات القرن الماضي اتصل بي الأستاذ عبدالملك منصور وزير الثقافة والسياحة حينها طالبا مني زيارته في مكتبه،

وحين قابلته أخبرني أنه قد شكل لجنة من المثقفين والشعراء والإعلاميين والفنانين أسماها سكرتارية تنسيق السياسات الثقافية تكون مهامها تحديد ووضع الاستراتيجيات الثقافية للنهوض بالجانب الثقافي، ومن ضمن ذلك رفع تصورات عن موضوع صنعاء عاصمة الثقافة العربية والعمل على وضع الرؤى التي تتضمن الإمكانات المطلوبة لتحقيق هذه الغاية وكذلك الرؤى الفنية والتنفيذية لمختلف الفعاليات التي يمكن أن تقام،

وأخبرني أنه تم اختياري ضمن هذه السكرتارية.

كنا نجتمع برئاسة الوزير يوما في الأسبوع أو متى ما دعت الحاجة ونرفع بالتصورات في مختلف الجوانب الثقافية بما فيها موضوع أن تكون صنعاء عاصمة للثقافة العربية، وهي الرؤية التي تم تنفيذها في عهد الوزير المثقف خالد الرويشان في العام 2004.

توطدت علاقتي بالوزير فكان يطلب مني كتابة الأوبريتات الغنائية والاستعراضية التي ستقدمها فرق الوزارة في الأعياد الوطنية أو المناسبات الدينية

وكنت أحصل على عائد مادي طيب جدا مثلي مثل المخرجين وقادة مثل هذه الأعمال على كل أوبريت كتبته ونفذته الفرق الفنية للوزارة على خشبة مسرح المركز الثقافي.

قدمت لي أوبريتات عديدة بعضها أنتجتها الفضائية اليمنية ومنها أوبريت السهيل اليماني الذي أعتز به كثيرا كما أعتز كثيرا بغيرها من الأعمال الغنائية التي كنت في الغالب أختارها من الألحان المتداولة في التراث الشعبي ومنها الأوبريت الإنشادي الذي قدم على خشبة مسرح المركز الثقافي بمناسبة ميلاد الرسول الأعظم، حيث جمعت فيه أجمل الألحان الصوفية الإنشادية من موروث ريمة وكتبت عليها أناشيد أدتها فرقة زبيدة وموسقها الفنان الكبير جابر علي أحمد ونفذتها الفرقة الفنية التابعة لوزارة الثقافة، واخترت منها بعض القصائد للشاعر المرحوم محمود الجباري إضافة لقصائدي.

وأتذكر أثناء العرض أن السفير الفرنسي كان جالسا على الكرسي الذي يجاور كرسي الوزير وقد لاحظت تفاعله الكبير مع الأداء،

وبعد انتهاء العرض التفت إلي الوزير قائلا أن السفير يطلب نسخة فيديو من هذا الأوبريت وأنه معجب به أشد الإعجاب فقلت له كيف أعجب به وهو لا يجيد اللغة العربية قال الوزير أنه قال له أن ثمة لحن أو لحنين أندلسيين أصيلين جدا موجودين ضمن العمل وهما:

صل أزكى الصلاة في ذكر طه

و صلاة ربي على محمد

من أوبريت بعنوان( ميلاد النور) عرض مرة أخرى وحصد المركز الأول في الإنشاد في فعاليات صنعاء عاصمة الثقافة العربية أيام الوزير المثقف خالد الرويشان

وأن هذا يثبت أن أصول المقامات الأندلسية جاء من اليمن ومن ريمة تحديدا.

وحين سألت الفنان جابر علي أحمد وهو أحد الخبراء بهذا المجال أكد فعلا أنه منذ سمع مني اللحنين توصل إلى هذه القناعة المذهلة التي توصل لها السفير الفرنسي.

طبعا لم يغادر السفير المركز الثقافي إلا ونسخة الفيديو معه شاكرا بحماس هذا الكنز الثمين الذي عثر عليه كما قال.

كان صديقي الشاعر عبدالحفيظ النهاري يعمل في الوزارة مديرا لتحرير مجلة الثقاقة العريقة التي يرأسها الوزير ونكتب فيها من وقت لآخر وكان يراجع الكلمات التي يقدمها الوزير في الأعياد الوطنية المختلفة طباعيا.

وذات مرة اطلعت معه بوجود الوزير على إحدى الكلمات المعدة وفيها إطراء كبير يتجاوز المنطق في بعض صيغه للرئيس حينها- علي عبدالله صالح- فقلت للوزير إذا كان لي من ملاحظة فهي أن هذا الإطراء قد تجاوز ما ينبغي من وزير يرأس وزارة ترسم سياسات وطن موحد تحكمه الديمقراطية ويسعى نحو دولة مدنية يحتكم رأس النظام ومؤسساته فيها لصندوق الاقتراع.

فرد علي ردا مطولا واصفا مناقب الرئيس منها مثلا أنه وجه بصرف كامل مرتبات خصومه السياسيين الذين فروا من الوطن ومنهم نائيه السابق أمين عام الحزب الاشتراكي الأستاذ علي سالم البيض وعبدالرحمن الجفري وعفا عن كافة القيادات السياسية والعسكرية التي شاركت في حرب صيف 1994 وأعاد لهم كل مستحقاتهم.

ولم أستطع إقناعه بالطبع بوجهة نظري.

ذات مرة اتصل بي طالبا أن أمر على الشئون القانونية في الوزارة وحين مررت فاجأني مدير عام الشئون القانون بقرار تكليفي مديرا عاما للثقافة والمراكز الثقافية،

أخذت القرار ودخلت إلى الوزير معتذرا لأنني في الأصل مهندس مدني وأعمل نائبا لمدير عام المشاريع في وزارة الإدارة المحلية ولن أستطيع ترك عملي فقال لي أن هذا القرار يعد تمهيدا لقرار أرفع من مجلس الوزراء وأن التفرغ للثقافة لا يطلب إلا في الفعاليات الموسمية، اعتذرت بالطبع وأعدت له القرار شاكرا ثقته ووعدته أنه سيجدني في كل الأوقات التي يطلب مني فيها اي عمل خاص بالثقافة.

في إحدى المرات طلب مني كتابة أنشودة أو أنشودتين يغنيها الفنان كرامة مرسال في زيارة وفد ثقافي برئاسة الوزير للإمارات العربية المتحدة للاحتفاء بعودة الشيخ زايد بن سلطان من فرنسا بعد رحلة علاجية واعتذر أنني لن أستطيع السفر ضمن الوفد لضيق الوقت، الذي أحتاجه لإجراءات تعميد الجواز من القنصلية.

كتبت الأنشودتين وسافر الوفد برئاسة الوزير في موعده وبعد أيام عاد الوفد بعد تقديم عروض فنية وشعرية احتفاء بعودة الشيخ زايد سالما معافى.

بعد عودة الوفد لاحظت مقالا هجوميا على الوزير في صحيقة الرأي العام بقلم الشاعر المرحوم عبدالله هاشم الكبسي يتهم الوزير بنهب مستحقات من لم يدخلوا من معدي فقرات الاحتفاء ومنهم أنا، وأن السلطات الإماراتية صرفت مبالغ كبيرة لمن كان ضمن الوفد أو من تم غناء أناشيدهم ولم يدخلوا ضمن الوفد ومنهم أنا وربما هو- الكاتب نفسه - والشاعر محمود الحاج وآخرين.

مررت على مكتب الوزير في اليوم الثاني بعد أن أخبرني مدير مكتبه نوفل أن الوزير يريدني بشكل عاجل.

وما أن صافحت الوزير حتى أشار إلى مقال الشاعر الكبسي الموجود في صحيفة الرأي العام الموجودة أمامه قائلا:

هل اطلعت عليه وما رأيك.

قلت له نعم اطلعت عليه وأريد أن أفهم الموضوع منك معالي الوزير مع ثقتي بك.

أخرج لي صورة جدول لمبالغ مالية صرفت فعلا من الأمير المعني من أولاد الشيخ زايد للفنانين ولكل المشاركين في الفعالية وتبقى مبلغا آخر.

لم يوافق الوزير على استلامه بل أبقاه لدى السفير حتى يعود الوفد ليصرف لي ولمن لم يدخل ضمن الوفد.

وأن هذا المبلغ صرف لاحقا من السفير لعلاج حالات مرضية حصلت لبعض الفنانين والفنانات أثناء تواجدهم في الإمارات ولم يستلم الوزير منه شيء.

بعد قرابة شهر اتصل بي الوزير قائلا لي اتصل برقم الأستاذ علي الشاطر مدير دائرة التوجيه المعنوي فورا وأعطاني رقمه حيث أن الشاطر حاول الاتصال بي على تليفوني المحمول وهو مغلق.

خرجت ذلك المساء إلى الشارع لأن التغطية لم تكن كافية داخل البيت واتصلت بالأستاذ علي حسن الشاطر الذي رحب بي وطلب حضوري في تمام التاسعة صباحا إلى مكتبه لأن معي كما قال رسالة من الإمارات.

توقعت بالطبع أن ثمة مكافأة أو مكرمة ما من السلطات الإماراتية مقابل كلماتي للأنشودة أو الأنشودتين اللتين غناهما لي الفنان الكبير المرحوم كرامة مرسال.

ما أن وصلت بوابة التوجيه المعنوي في التحرير حتى أخذني أحد العساكر من الحراسة فورا إلى مكتب الأستاذ علي الشاطر.

الذي رحب بي كثيرا وطلب أن أداوم على الكتابات الثقافية في صحيفة 26 سبتمبر التي تصدر من التوجيه المعنوي

ثم سلمني ورقة وطلب توقيعي على استلامها قائلا هذه هديتك من الإمارات.

وقعت عليها وأنا أرتجف واستحييت أن أقرأها إذ لا تبدو لي شيكا كالشيكات العادية المستطيلة فكتبت قبل التوقيع هذه العبارة ( استلمت هذا ووقعت عليه)

وحين وقفت لتوديع العقيد علي الشاطر قال لي توجه إلى بنك اليمن والكويت لصرف المبلغ وقد سلمت الآخرين نفس الحوالات ووجهتهم باستلامها من ذات البنك ممن لم يدخلوا ضمن الوفد الزائر للإمارات.

انفرجت أساريري بالطبع وشكرته وفتحت الورقة حين وصلت إلى بداية غرفة السلم فاطلعت على الرقم المدون فيها وهو عشرين ألف درهم إماراتي باسمي والشيك موقع من حمدان بن زايد في غالب الظن وعلى أن أستلمه من بنك أبو ظبي.

سعدت جدا وفورا اتصلت بأقرب الأحبة لأبشره ولم أكن قد أخبرت أحدا باتصال الوزير والشاطر حتى لا يصبح الأمر مجرد حلم كما حصل في مرة سابقة مع ذات الوزير كنت قد بشرت بعض أحبتي وأهلي به ولم يتحقق - ربما أتطرق لاحقا لهذا الموضوع-

كان أول من بشرته أخي مفضل وابن عمي الأكثر قربا إلى القلب العميد الشهيد أحمد يحيى غالب الأبارة الذي قلت له تخزينتك وما تحتاج له علي وأبلغته بالرقم ففرح لي وبارك بالطبع كما أخبرت زوجتي وبعض إخوتي واتجهت مباشرة إلى بنك اليمن والكويت الذين عملوا لي رقم حساب كما عملوا لزملائي وقالوا لي عد بعد أسبوع سنرسل لبنك أبو ظبي عبر نظام dhl وبعد أسبوع يكون المبلغ لدينا بعد خصم رسوم الإرسال.

وفعلا ذهبت إليهم بعد أسبوع بعد أن رددت بمقال في صحيفة الميثاق على اتهامات الشاعر المرحوم عبدالله هاشم الكبسي للوزير بأنها باطلة وأوضحت ما وصل إلينا من مبالغ كما أوضحت ما سبق وأوضحه لي الوزير بأن بقية المبلغ تصرف به السفير.

مباشرة اشتريت بالمبلغ سيارة هايلوكس دبل لأنني كنت أحتاجها في زياراتي الاستشارية أثناء عملي مع الصندوق الاجتماعي للتنمية لمشاريع طرقات أو مدارس في محافظة ريمة وبمبلغ يقل قليلا عن المليون ريال وهو أكبر مبلغ تقاضيته في حياتي.

في العام 2001 تقريبا وبعد أن تم تعيين وزير آخر ضمن التشكيل الحكومي الجديد بدلا عن الدكتور عبدالملك منصور وهو الكاتب عبدالوهاب الروحاني اتصل بي الأستاذ عبدالملك ودعاني لزيارته إلى البيت ولما وصلت وجدته في انتظاري في حوش منزله بشارع هايل تحت مظلة إسمنتية ومعه اللابتوب الخاص به وقال لي هل سمعت عن القصيدة التي كتبها ضدي الشاعر عبدالله هاشم الكبسي فقلت له نعم،

وكانت قصيدة قد وزعت في بعض المكاتب الحكومية منسوبة للشاعر الكبسي يقول في مطلعها:

عبدالملك منصور

صاحب جبل عنتور . إلى آخر ما ورد فيها من قذف وتشهير بالدكتور عبدالملك منصور،

وأضاف أن الذي أمره بكتابة القصيدة هو الرئيس علي عبدالله صالح فاستغربت وقلت له ألم تكن ثقتك به كبيرة وكنت تمتدحه في كل خطاب تقوله، ما الذي حصل.

فقال بعد أن أخذ تنهيدة عريضة كنت من المخدوعين به وكنت أظن أن الأحداث قد صقلته، فقلت له قد يكون ظنك في غير محله فلا أظن أن الرئيس ينزل لمثل هذه المناكفات، فقال لي بل طلب من الكبسي ذلك في مقيل كان ضمنه محافظ الحديدة السابق محمد حاتم الخاوي وهو الذي أخبره بطلب الرئيس من الكبسي - رحمهما الله-

وأضاف هل تعرف الأستاذ أحمد يحيى العماد فقلت له سمعت عنه فقال هذا العماد هو أبو الميثاق الوطني وكنت معه خطوة بخطوة حتى وصلنا إلى هذه الوثيقة الفكرية الجامعة لليمنين واليوم يقبع مريضا في المستشفى دون أن يكلف علي عبدالله صالح نفسه حتى بالاتصال والاطمئنان عليه وهكذا هو ينسف كل جهد لكل شريف في الوطن متخذا بطانة سوء ستقوده وتقود الوطن إلى الهاوية وأضاف:

ولذلك بدأت أبيع كل ممتلكاتي في اليمن وسأغادر ربما إلى غير رجعة، وأواصل رسالتي الفكرية عن طريق مركز المنصور للدراسات من أي دولة أستقر فيها،

وهو المركز الذي كان قد أنشأه وترأسه فور إقالته من الثقافة.

حاولت ثنيه وأن نضاله يحتاجه الوطن مهما كان موقعه في النظام فرد حاسما.

لم تعد البيئة الثقافية والفكرية للأسف مواتية وسنخدم الوطن والشعب من أي دولة نتواجد فيها وأخشى أن تفيقوا على الوحدة وقد عادت حلما ومؤسسات الدولة وقد أصبحت مجرد أمل تحطم على صخرة الواقع الذي يمضي بالبلد إلى المجهول الكبير.

لاحقا تم تعيينه ممثلا لليمن في الجامعة العربية ثم سفيرا في تونس.

وما يزال حتى اللحظة نبراسا للمعرفة والثقافة من خلال كتاباته في مختلف المجالات والمواقع.