ديوان «الغيّام» لمحمد إسماعيل الأبارة (130 صفحة، 44 قصيدة، كُتبت بين 2023 و2026) ليس ديواناً عن الحب، كما يوحي فهرسه لأول وهلة، بل ديوان عن فقدان الملاذ.
الشاعر فيه لا يبكي امرأة بعينها، ولا وطناً مجرداً. يبكي مكانين كانا يحميانه: الأبارة التي كوّنته، والأم التي كانت غطاءه. ولذلك سأقرأ الديوان كله من خلال قصيدتين فقط، لأنهما القصيدتان اللتان يخلع فيهما الشاعر قناع العاشق، ويتكلم كإنسان منكشف:
الأبارة التي لم تعد تعرفني
ومن يدثّرني بالأمان
الأولى رثاء للمكان، والثانية رثاء للإنسان، وبينهما يكمن الديوان كله.
---
1. الأبارة التي لم تعد تعرفني: الغربة في الداخل
أبكِ يا قلب أبكِ ذاك الزمانا
يوم كنا للحب نبضاً وكانا
أبكِ تلك الدروب نملؤها لهواً
وأنساً وصحبة، عنفوانا
يوم كنا على بساط الأماني
نذرف الشوق والهوى ألحانا
القصيدة تبدأ بفعل أمر غريب: «أبكِ يا قلب». الشاعر لا يبكي، بل يأمر قلبه أن يبكي نيابة عنه. كأنه لم يعد قادراً على البكاء بنفسه، فصار يوكّل قلبه بالمهمة. هذه هي النبرة المركزية في القصيدة: رجل يتكلم عن نفسه بضمير الغائب.
ثم تأتي البنية التي تحكم القصيدة كلها: تكرار «يوم كنا» و«كم».
كم ركضنا إلى الذرى وانحدرنا
فوق أحراش متنها غزلانا
كم ضممنا الغصون والفيء فيها
وانهمرنا في حقلها أمزانا
كم صففنا (مشاقر) العشق عقداً
فوق أعناق حيدها، أقحوانا
كم هطلنا لظمأ الحقل غيثاً
عن ترانيم دفئه ما توانى
القصيدة مقسومة إلى زمنين لا يلتقيان: زمن «كنا» وزمن «الآن» المضمر. الشاعر لا يصف الأبارة الحالية أبداً. لا يقول ما الذي تغيّر فيها، ولا لماذا لم تعد تعرفه. هو يكتفي بتكديس الماضي فوق الماضي، حتى يصير الماضي هو الحجة الوحيدة على أن الحاضر خائن.
وهنا تكمن قوة القصيدة وضعفها معاً.
قوتها في المعجم المحلي الذي لا يستطيع شاعر آخر أن يقلده: الذرى، الأحراش، الغصون، الفيء، المشاقر، الأقحوان، الأمزان. المشاقر هنا ليست زينة بلاغية، هي زهرة يمنية حقيقية تُصفّ على الأعناق في الأعراس. الشاعر لا يستعير من الطبيعة، هو ابنها. حين يقول «انهمرنا في حقلها أمزانا»، هو لا يتكلم عن مطر مجازي، بل عن أطفال كانوا فعلاً يركضون تحت المطر في ريمة.
وضعفها أن القصيدة تظل نوستالجيا دون سؤال. السؤال الذي لم يسأله الشاعر هو: من الذي تغيّر؟ أنا أم الأبارة؟
العنوان يقول: «الأبارة التي لم تعد تعرفني». هو يتهم المكان بالنسيان. لكن النص كله يقول العكس: هو الذي ابتعد، هو الذي ركض، هو الذي صار شاعراً في المدينة، ثم عاد ليجد المكان قد أكمل حياته بدونه. القصيدة كانت ستكون أعظم لو اعترف الشاعر بهذا الذنب، لو قال: أنا الذي لم أعد أعرف الأبارة، لا هي التي لم تعد تعرفني.
ومع ذلك، تنتهي القصيدة ببيت هو الأصدق في الديوان كله:
ليت أنا حتى تعود إلينا
نستقي ذكراها ذُرىً، وديانا
«ليت أنا» وليس «ليتها». الشاعر هنا يعترف أخيراً أنه هو الذي يحتاج إلى العودة، لا المكان. الذكرى صارت هي الوطن البديل، نشربها كما نشرب الماء من الذرى والوديان.
2. من يدثّرني بالأمان: اليُتم بعد الأم
القصيدة مهداة: «إلى روح أمي التي لبّت نداء الله - إبريل 2026». وهي القصيدة الأخيرة في الديوان، وكأن الشاعر تعمّد أن يختم كتابه بالموت، لا بالحب.
مَنْ لي أبثُّ إليه مواجيد حزني
فيطفئ كلَّ اشتعالٍ بلمسةِ كفٍّ
يفيضُ حيّاً من غيومِ الفؤاد؟
مَنْ لي بظلٍّ يظلّلُ هجيري
بفيءِ الكلامِ المحلّقِ
في ملكوتِ السميعِ العليمِ،
ويفتحُ لليأسِ في جنباتِ اعتمالي
نوافذَ نورٍ من الذكرِ
تطفي قيظي بآيِ الكتابِ الكريم؟
إذا كانت القصيدة الأولى بنيت على «كم» و«يوم كنا»، فإن هذه القصيدة بنيت على «مَنْ لي».
سؤال يتكرر ولا يُجاب. الشاعر لا يسأل «لماذا ماتت؟»، بل يسأل «من سيقوم بمهمتها الآن؟». الأم هنا ليست شخصاً، بل وظيفة وجودية: هي التي تطفئ، تظلل، تفتح، تطفي. هي جهاز الأمان في حياته.
وهذا هو سر العنوان: يدثّرني. الدثار ليس غطاءً عادياً، هو ما يُلقى على الإنسان حين يرتجف. في القرآن: «يا أيها المدّثر». الشاعر يرى نفسه بعد موت أمه كمدّثر بلا دثار، مكشوفاً للبرد واليأس والهجير.
ثم يأتي المقطع الختامي، الذي يقلب القصيدة كلها من رثاء خاص إلى رثاء عام:
أماه.. يا وطيني وملاذي
وانهماري،
ومحتد...
وقد غبتِ عني.. إلى الله
مَنْ سيدثّرني بالأمان؟
لاحظ التدرج الدلالي هنا: أماه = وطيني = ملاذي = انهماري.
الأم لم تعد أماً فقط، صارت وطناً. والوطن لم يعد أرضاً، صار أماً. في قصيدة الأبارة، كان المكان هو الأم. وفي هذه القصيدة، صارت الأم هي المكان. الشاعر يدور في دائرة مغلقة: يبحث عن ملاذ، وحين يفقده في الأرض يبحث عنه في السماء، وحين يفقده في السماء يعود إلى الأرض.
لهذا ختم الديوان بهذه القصيدة. لأنها تلخص مشروعه: رجل يبحث عن من يدثّره، ولا يجد.
قوة القصيدة أنها الوحيدة في الديوان التي تتخلى عن البلاغة. في قصائد الغزل، الشاعر يتكلم كشاعر. هنا يتكلم كابن يتيم. جملة «بلمسة كف» جملة بسيطة، غير مزخرفة، لكنها أصدق من كل «دمدمات الشوق» و«احتشاد الوجد» في الديوان. لأن الموت لا يحتاج إلى مجاز، يحتاج إلى لمسة.
وضعفها أنها تعود في النهاية إلى الخطابية. بعد أن كان الشاعر يبكي أمه بصدق، يعود ليقول «غد مفعم بالتسابيح، بالقصيدة، مخضلة بالوطن». هذه الخاتمة الإنشائية تخفف من حرارة الفقد، وتحوّل الرثاء الخاص إلى خطبة عامة. كان الأجدر به أن ينتهي عند السؤال: «من سيدثرني بالأمان؟» ويصمت. الصمت بعد هذا السؤال كان أبلغ من أي جواب.
---
خاتمة: ما الذي تكشفه القصيدتان عن الديوان؟
أولاً: وحدة الثيمة. الأبارة والأم هما وجهان لعملة واحدة: الأمان المفقود. الديوان كله، من «أشعل الروح» إلى «من يدثرني بالأمان»، هو بحث عن دثار. لذلك كان عنوان الديوان «الغيّام» موفقاً: الغيم هو الدثار الذي لم يهطل بعد.
ثانياً: وحدة الأسلوب. في القصيدتين، الشاعر لا يحكي حكاية، بل يراكم صوراً. لا يوجد سرد، لا يوجد حدث، لا يوجد تحول درامي. يوجد حالة وجدانية واحدة تُعاد بصيغ مختلفة. هذا هو أسلوب الأبارة: التراكم لا التطور. هو لا يقنعك بفكرة، بل يغمرك بشعور.
ثالثاً: الفرق الجوهري. في «الأبارة»، الشاعر ينظر إلى الوراء. في «من يدثرني»، الشاعر ينظر إلى الفراغ. الأولى حنين، والثانية يتم. الأولى يمكن أن تُعالج بالعودة إلى القرية، والثانية لا علاج لها. لذلك الثانية أقوى، لأنها تواجه موتاً لا رجعة فيه، بينما الأولى تواجه تغيراً يمكن تبريره.
لو كان الديوان كله بمستوى هاتين القصيدتين، لكان ديواناً عظيماً.
لكن الحقيقة أن بقية الديوان، خاصة قصائد الغزل مثل «كائن الغرام» و«محتشد الشوق» و«رجفة الشوق»، تظل تدور في فلك المجاز دون أن تلمس هذا الجرح الحقيقي. الأبارة شاعر عظيم حين يكتب عن ما فقده فعلاً: أمه، وقريته. وشاعر عادي حين يكتب عن ما يتخيل أنه فقده: حبيبة مجردة، وشوق مجرد.
«الغيّام» ديوان شاعر يملك الصوت والصدق والموسيقى، لكنه لم يكتشف بعد أن أعظم قصائده هي تلك التي يتخلى فيها عن الشاعر، ويتكلم فيها كإنسان.
و«من يدثرني بالأمان» و«الأبارة التي لم تعد تعرفني» هما الدليل على أنه يستطيع، إذا أراد، أن يفعل ذلك.
---
المرجع: محمد إسماعيل الأبارة، ديوان «الغيّام»، صنعاء، 2026.
- قارئ من اليمن .