مرايا الغياب:

قبل 18 ساعة


بهيج حسن مسعود
ارشيف الكاتب

هذا النهارُ مسروقٌ من جيبِ شتاء.

الضبابُ يتنفّسُ وحيداً، يُلبِسُ الطرقاتِ ثوبَ العمى، يمسحُ النوافذَ بطميِ الغياب، ويزرعُ في القلوبِ شقوقاً من زجاجٍ مُعتَّم.

الرؤيةُ مشوَّشة، لا لأنّ العيونَ أتعبتها السنون، بل لأنّ الأفقَ انطوى على سرٍّ لا يُفشى، وأقفلَ بابَ النور.

حزمْتُ زماني – جوادي المُرهَق – وامتطيْتُ قطرةَ مطر، صعدْتُ بها معراجَ البخار، أطرقُ السماءَ السابعةَ والسابعةَ جداً منّي، أسألُ والنبضُ يرتجفُ في حلقي:

أيتها العاليةُ البعيدة، هل تبدّلتِ الحياةُ تحتَكِ أم تبدّلَ من يمشون عليها؟

هل مسختِ النفوسُ ألوانَها كما تمسخُ الحرباءُ جلدها أمام مرايا الخوف،

أم أنّني وحدي، كديناصورٍ نبيل، يبحثُ عن سريرتِهِ في متحفِ الحياة؟

ثمّ همسَتِ السماءُ بالضباب، لا بالإجابة.

تحوّلَ الضبابُ فجأةً إلى مرايا مقلوبة، في كلّ واحدةٍ منها وجهي حين كنتُ أُحبّ الحياة بلا شروخ،

وجهي قبل أن تُخمَدَ في دمي نارُ الدهشةِ الأولى.

رأيتُ النوافذَ كلّها فُتحَتْ في قَلبي،

والطرقاتِ صارتْ ذاكرةً لخُطى الأصدقاءِ الذين سافروا داخلَ جلودِهم الجديدة،

الذين غسلَتْهم أمطارُ المدنِ البعيدةِ من طعمِ اللقاء.

رأيتُ كيف تنزوي القلوبُ خلفَ ستائرِها،

كلُّ قلبٍ يمسكُ مفتاحَهُ بقبضةِ الماء، يخافُ أن يفتح، يخافُ أن يصدأ.

وأخيراً، أسقطُ من المعراج، أهبطُ كريشةٍ بلا جاذبية،

فأجدُ نفسي واقفاً في هزيع العمر،

أفتحُ كفّي على مطرٍ لا يبلّلُ جفافَ السؤال،

وأقولُ للضبابِ المنتشرِ كالنبوءة:

أيّها الحيُّ المحايد،

هل ماتَ العالمُ واقفاً في صمتِهِ،

أم أنّني أنا... ديناصورٌ يخترعُ للحياةِ خرافةَ الحبّ القديم؟

ثمّ أتنهّد،

لأنّ الضبابَ لم يرفعْ ستارَهُ،

لأنّ الديناصورَ لم يَمُتْ،

بل ما زال يحبُّ الحياة،

ويحفرُ على جدرانِ كهفِ الصمتِ سؤالَهُ اليتيم:

لماذا يتبدّلُ كلُّ شيء...

إلّا حاجتَنا لأن نُحِبَّ كما يفعلُ المطرُ بالتراب،

بلا سبب، وبلا جوازِ سفر،

وبلا ضباب؟

#مســ_بهيج_ــعود

السويداء_قرية الرحا

21.05.2026

#تدليك_القلب_بزيت_الكلمات