فن و مشاهير

من أرشيف الأغنية اللحجية: قراءة تاريخية في تجربة الفنان الراحل محسن أحمد مهدي

من أرشيف الأغنية اللحجية: قراءة تاريخية في تجربة الفنان الراحل محسن أحمد مهدي
جابر علي أحمد (مواليد 1953) هو موسيقار وناقد موسيقي يمني، يعد من الأعلام البارزين في المشهد الثقافي
قبل 8 دقائق
- قسم التراث والفنون - متابعات خاصة:

تمثل المدرسة الموسيقية اللحجية أحد أثرى روافد الفن اليمني والعربي، لما تميزت به من خصوصية في الألحان والإيقاعات التي أسس مداميكها الأمير الشاعر أحمد فضل القمندان. وفي هذا السياق، يعيد موقعنا نشر قراءة نقدية وتوثيقية نادرة استعرضت تجربة حفيد القمندان، الفنان المجدد الراحل محسن أحمد مهدي (1935 - 2011م)، والتي نُشرت لأول مرة في صحيفة "الثورة" الرسمية بتاريخ 6 يناير 1989م.

تكمن أهمية هذه المادة في رصدها الدقيق والباكر لكيفية نشوء "ندوة الجنوب العربي الموسيقية" عام 1955م، والتحولات التي رافقت الحركة الفنية في الحوطة تحت ظلال الاستعمار البريطاني، بالإضافة إلى تقديم تشريح موسيقي نادر لأوائل أعمال الفنان الراحل.


نص المقال الأرشيفي:


عندما حضرت الحفل الفني الذي أقيم في الحوطة مساء 27/11/1988م ضمن فعاليات المهرجان الأول للقمندان، فوجئت بل واندَهشت بحفاوة الناس البالغة واستقبالهم الحار جداً للفنان محسن أحمد مهدي. وفي محاولتي لمعرفة مغزى هذا الاهتمام الجماهيري أدركت بأن وراء هذا التعلق بالفنان محسن جهداً فنياً عظيماً، عكس موهبة قوية تفتحت في أسرة فنية من ألفها إلى يائها.

والفنان محسن مهدي من مواليد الحوطة (لحج) 1935م. وفي السادسة من عمره بدأ يزاول هواية الفن. ولا عجب في ذلك والأسرة كلها فنية حيث كان الوالد يعزف آلة العود وكذلك والدته وأخته، أما أخوه الكبير علي أحمد مهدي فكان يعزف آلتي العود والكمان.

ورغم أن الفنان محسن يعتبر حفيد القمندان إلا أنه تميز بروح شعبية مرحة جعلته قريباً جداً من الناس بمختلف مستوياتهم. وكان فناننا شغوفاً بأغاني جده التي حفظ منها الكثير. وأول أغنية عزفها وغناها من باب التقليد طبعاً هي أغنية أبوزيد ، ومع استمرار ممارسة هوايته الفنية تفتحت موهبته وتصلب عود حسه الفني وبدأت تتفجر فيه روح الإبداع والغنائي.

وكانت أغنية يقولوا لي نسى حبك باكورة إنتاجه الفني الذي تميز بالغزارة والعذوبة والتجديد. وفي سياق الحديث عن هذه الأغنية أكد لي الفنان محسن بأن الذي دفعه إلى تلحينها ذلك الفهم الخاطئ للتجديد الغنائي والذي انعكس في محاكاة بعض الفنانين اليمنيين لأسلوب التلحين المصري.

والفنان محسن ليس ضد الاستفادة من بعض عناصر الغناء العربي أو حتى الأجنبي بشرط - وهذا حسب رأيه - أن لا يكون ذلك على حساب طمس روح الغناء المحلي. وقد أشار إلى أن تلحينه لأغنية يقولوا لي نسى حبك مستوحى من أغنية عيني بتضحك للفنان الراحل فريد الأطرش، وعندما عقدت مقارنة بين الأغنيتين أدركت العلاقة بينهما.

ولكنني لا أخفيكم بأن علاقة كهذه من الصعب إدراكها بسهولة نتيجة سيطرة روح عناصر الغناء الشعبي في لحن، ولا بأس من الوقوف قليلاً عند أغنية يقولوا لي نسى حبك التي كتب كلماتها صالح مهدي عم الفنان محسن مهدي وغناها الفنان الراحل أحمد يوسف الزبيدي.

فمقام هذه الأغنية هو الحجاز، أما ميزانها فهو ميزان رقصة المركح الشعبية في لحج (4/4)، وتميزت صياغة هذا اللحن بالخصوصية والعذوبة والانسيابية مما يعكس قدرة فنية جيدة. وإنني لألمس في هذه الأغنية روحاً تجديدية عبر عنها البناء اللحني المحكم. والحقيقة أنه لأمر لافت للنظر أن تكون هذه الأغنية أول عمل فني لفناننا محسن مهدي، ولكن الأمر يبدو مفهوماً بالنظر إلى الموهبة الكبيرة لهذا الفنان وإليكم مطلع هذه الأغنية:

يقولوا لي نسى حبك وليه تجري وراه

تناسى الحب من بعدك ودور لك سواه


ندوة الجنوب العربي الموسيقية:


مع تصاعد النشاط الفني في لحج جاءت فكرة إنشاء ندوة الجنوب العربي الموسيقية عام 1955م، والتي لم تكن بعيدة عن تأثير رابطة أبناء الجنوب العربي ، وقد ترأس هذه الندوة الأستاذ عبدالله هادي سبيت.

وكان من أعضاء هذه الندوة الفنانين: فضل محمد اللحجي، محمد سعد الصنعاني، أحمد يوسف الزبيدي، محمد صالح حمدون، حسن عطا ومحمد سنحان. وفي خضم حركتها نظمت الندوة عدة فعاليات فنية كان فيها للفنان محسن مهدي دور بارز. وآخر نشاط لهذه الندوة كان حفلة الجزائر التي أقيمت لصالح ثوار الجزائر. وكان لهذه الحفلة صدى وطني قوي حمل السلطات البريطانية على اتخاذ موقف سلبي من هذه الندوة.

ويؤكد الفنان محسن مهدي بأنه بعد تأسيس ندوة الجنوب العربي تشكلت الندوة اللحجية الموسيقية ، التي رأسها الفنان المرحوم صلاح ناصر كرد.

didn't وبسبب الموقف البريطاني السلبي من ندوة الجنوب العربي الموسيقية ، بدأ الأعضاء - والرأي لا يزال لمحسن مهدي - يتركون هذه الندوة وينضمون إلى الندوة اللحجية الموسيقية التي طلبت من الفنان محسن أن يلحن لبعض الأعضاء فيها.

وبعد تلبيته الطلب قدم الفنان محسن ألحاناً لبعض الفنانين. أذكر منهم: عبدالكريم توفيق، علي سعيد العودي ومحمد صالح حمدون.

هذا وللفنان محسن مهدي مجموعة كبيرة من الألحان مثل:

• ليه يا هذا الجميل - كلمات صالح مهدي - غناء محمد صالح حمدون.

• يا حبيب الحب - كلمات صالح مهدي - غناء محمد صالح حمدون.

• ناجت عيوني - كلمات صالح مهدي - غناء أحمد يوسف زبيدي.

• ليتني نسمة - كلمات صالح مهدي - غناء أحمد يوسف زبيدي.

• يا عذابي - كلمات صالح نصيب - غناء علي سعيد العودي.

والفنان محسن مهدي يجيد عزف وأداء الأغاني المصرية، ليس هذا وحسب بل له ألحان قليلة جداً نسجها وفق أسلوب التلحين المصري وقد استمعت في هذا المجال إلى حبيبي زارني ، واندَهشت ليس من قدرته على تمثل أسلوب الصياغة المصرية فقط وإنما أيضاً للتلوين المقامي الذي حفل به اللحن، وهو ما يدل على أن فناننا كان يكثر من استماعه إلى الأغاني المصرية.

أخيراً إن الفنان محسن لا يزال يحن إلى العودة إلى عالم الفن الرحب ولكن يبدو أن وجوده في لندن لا يتيح له فرصة لذلك. ومع هذا فقد قال لي: بأنه يرغب في العودة إلى سابق نشاطه الفني استجابة لنداء وجدانه الذي يبدو وأنه لا يزال يختزن الكثير.


تعقيب تحليلي


يُذكر أن الفنان القدير محسن أحمد مهدي غادر الحوطة مستقراً في بريطانيا لعقود، وظل واجهة مشرفة للفن اليمني في المهجر حتى وافته المنية في العاصمة البريطانية لندن عام 2011م.

وتظل شهادة الكاتب المنشورة أواخر الثمانينيات وثيقة فنية هامة تكشف عن وعي الفنان اليمني الباكر بمسألة "التجديد"؛ حيث استطاع محسن مهدي تطويع الإيقاعات العالمية والتأثر بالمدرسة المصرية (كأعمال فريد الأطرش) دون أن يفقد اللحن هويته المحلية اللحجية وقواعد رقصاتها الشعبية كـ "المركح". هذا التوازن الدقيق بين الأصالة والمعاصرة هو الدرس الأبرز الذي تحتاجه الأجيال الفنية الصاعدة اليوم للحفاظ على خصوصية الهوية الموسيقية اليمنية وحمايتها من التشويه.