أخبار

حكومة أقلية تُربك حسابات نتنياهو.. هل ينجح آيزنكوت؟

حكومة أقلية تُربك حسابات نتنياهو.. هل ينجح آيزنكوت؟
حسابات المقاعد والامتناع عن التصويت تفتح الباب أمام سيناريو حكومي جديد في إسرائيل (الكنيست)
قبل 52 دقيقة
- نجيب العصار

لا تتوقف معركة تشكيل الحكومة الإسرائيلية عند عدد المقاعد التي يمتلكها كل معسكر في الكنيست، بل تمتد إلىحسابات التحالفات السياسية، ومواقف الأحزاب من التصويت، وإمكانية الحصول على دعمبرلماني من خارج الائتلاف.

وفي هذا السياق، برز سيناريو تشكيل حكومة أقلية برئاسةغادي آيزنكوت، رئيس حزب يشَار! ، باعتباره أحد الخيارات المطروحة لتجاوز حكومة بنيامين نتنياهو، من دون الحاجة إلى امتلاك أغلبية برلمانية تقليدية.

وكشفت صحيفة واي نت الإسرائيلية أنآيزنكوت وافق على دراسة إمكانية تشكيل حكومة أقلية تعتمد على امتناع حزب يهدوت هتوراة والقائمة المشتركة عن التصويت ضدها، إلى جانب انضمام النائب يوآف سيغالوفيتش، المنتمي إلى قائمة رعم (القائمة العربية الموحدة)، إلى الحكومة وتقديم دعم فعلي لها. وتقوم الخطة على إعادة ترتيب مواقف بعض الكتل البرلمانية،بحيث لا تصوّت ضد الحكومة الجديدة، حتى إن لم تشارك جميعها فيها بصورة مباشرة.

ما حكومة الأقلية وكيف يمكن تشكيلها؟

حكومة الأقلية هي حكومة تتولى السلطة رغمأن الأحزاب المشاركة فيها لا تمتلك 61 مقعداً، وهو العدد اللازم لتحقيق الأغلبيةالمطلقة في الكنيست الإسرائيلي المؤلف من 120 عضواً.

وتستند هذه الحكومات إلى تفاهمات معأحزاب أو نواب من خارج الائتلاف، يقدمون لها دعماً برلمانياً أو يمتنعون عن التصويت ضدها، بما يسمح بمرور تصويت الثقة إذا تجاوزت الأصوات المؤيدة الأصواتالمعارضة.

وبمعنى آخر، لا يشترط النظام البرلماني الإسرائيلي حصول الحكومة عند تنصيبها على 61 صوتاً مؤيداً، وإنما يمكنها نيل الثقة بأغلبية الأصوات المشاركة في التصويت، مع عدم احتساب الممتنعين ضمن المؤيدين أوالمعارضين. فعلى سبيل المثال، إذا حصلت حكومة على 49 صوتاً مؤيداً مقابل 46 صوتاًمعارضاً، وامتنع بقية النواب عن التصويت، فإنها تستطيع نيل ثقة الكنيست، رغم عدم امتلاكها الأغلبية المطلقة من المقاعد.

غير أن اجتياز تصويت الثقة لا يعنيب الضرورة امتلاك الحكومة أغلبية مستقرة تمكّنها من تمرير القوانين أو ضمان استمرارها، إذ ستظل بحاجة إلى تفاهمات متجددة مع الكتل البرلمانية في كل تصويتمهم.

كيف تُبنى المعادلة البرلمانية لآيزنكوت؟

وفق توزيع المقاعد الذي أورده تقرير واينت ، يمتلك معسكر آيزنكوت 48 مقعداً، مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، ما دام حزب يهدوت هتوراة محسوباً ضمنه، فيما تمتلك الأحزاب العربية مجتمعة 19 مقعداً.

وتقوم الخطة المقترحة على ثلاثة تحركات مترابطة؛ أولها إخراج يهدوت هتوراة من معسكر نتنياهو، وإقناعه بتوفير شبكة أمان برلمانية للحكومة الجديدة من الخارج، وثانيها إدخال النائب يوآف سيغالوفيتش،المنتمي إلى قائمة رعم ، في الحكومة، وثالثها الرهان على عدم تصويت القائمة المشتركة ضدها، من دون الدخول في مفاوضات رسمية معها.

وبحسب الحسابات الواردة في التقرير، فإن احتساب مقعد سيغالوفيتش ضمن معسكر آيزنكوت، مقابل خروج يهدوت هتوراة من معسكرنتنياهو، يرفع رصيد المعسكر الأول إلى 49 مقعداً، ويخفض رصيد الثاني إلى 46 مقعداً. وبذلك يصبح تشكيل حكومة الأقلية ممكناً من الناحية الحسابية، إذا امتنعت الكتل الأخرى عن التصويت ضدها أو قدمت لها الدعم اللازم في تصويت الثقة.

لماذا تمثل الأحزاب العربية ورقة مؤثرة؟

تكتسب الأحزاب العربية أهمية خاصة في هذهالمعادلة، لامتلاكها مجتمعة 19 مقعداً، وهو ما يمنحها وزناً برلمانياً يمكن أنيؤثر في هوية الحكومة المقبلة، سواء من خلال المشاركة المباشرة أو تقديم الدعم منالخارج أو الامتناع عن التصويت.

لكن ثمة اختلافاً بين موقف حزب رعم بقيادة منصور عباس وموقف القائمة المشتركة. فعباس يريد مشاركة حزبه في الائتلاف الحكومي، ولا يكتفي بمجرد الامتناع عن التصويت، حتى لو اقتصر التمثيل الوزاري على يوآف سيغالوفيتش.

في المقابل، لا يتجه معسكر آيزنكوت إلى التفاوض رسمياً مع القائمة المشتركة، وإنما يراهن على عدم معارضتها الحكومة المقترحة، استناداً إلى مواقف معلنة لقياداتها بشأن ضرورة إنهاء حكم نتنياهو.

وهكذا، قد تؤدي الأحزاب العربية دوراًمؤثراً في تغيير تركيبة الحكومة، حتى من دون انضمام جميعها إلى الائتلاف أو حصولهاعلى حقائب وزارية، وهو ما يفسر أهمية مواقفها في الحسابات الجارية.

خلافات داخل معسكر التغيير وعقبات أمام الخطة

على الرغم من إمكانية تمرير حكومة أقلية من الناحية الحسابية، فإن الطريق إلى تشكيلها يصطدم بخلافات سياسية وأيديولوجيةداخل المعسكر الساعي إلى استبدال نتنياهو، فضلاً عن مطالب الأحزاب التي يحتاجآيزنكوت إلى دعمها.

وتبرز في مقدمة هذه العقبات معارضة رئيسحزب يسرائيل بيتنو أفيغدور ليبرمان، الذي أعلن رفضه تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية أو الحريدية، سواء بالمشاركة المباشرة أو الدعم غير المباشر. ويضع هذا الموقف آيزنكوت أمام معضلة التوفيق بين استقطاب دعم الأحزاب العربية والحريديةوالحفاظ على تماسك معسكر التغيير.

كما يمثل قانون إعفاء الحريديم من الخدمةالعسكرية إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات مع حزب يهدوت هتوراة . فالحزبيريد ضمان تمرير قانون يمنح طلاب المعاهد الدينية اليهودية إعفاءات من التجنيد،مقابل توفير شبكة أمان برلمانية لحكومة آيزنكوت، وربما الانضمام إليها في مرحلةلاحقة.

غير أن هذا التفاهم لا يزال موضع شك، فيظل صعوبة موافقة آيزنكوت على قانون يتضمن إعفاءات واسعة من الخدمة العسكرية،بالنظر إلى حساسية القضية داخل معسكره.

وتتصل العقبات أيضاً بمطالب منصور عباس،الذي يريد مشاركة حزبه في الائتلاف، وليس الاكتفاء بدعم الحكومة من الخارج، الأمرالذي يفرض على آيزنكوت التوفيق بين هذه المطالب ومواقف حلفائه الرافضين للتعاونالسياسي مع الأحزاب العربية.

ولا تتوقف الخلافات عند تشكيل الحكومةوتوزيع الحقائب، بل تمتد إلى منصب رئيس الكنيست خلفاً لأمير أوحانا؛ إذ يصرآيزنكوت على أن يتولى المنصب أحد أعضاء كتلته، بينما يريد ليبرمان إسناده إلىالنائب عوديد فورير عن حزبه.

وتزداد حساسية هذا الخلاف مع إعلان مصادرفي القائمة المشتركة رفضها تعيين فورير، واعتباره خطاً أحمر ، وفق ما نقلته قناة i24NEWS،ما يجعل رئاسة الكنيست إحدى أوراق التفاوض بين أطراف المعسكر.

هل حكومة الأقلية خيار جدي أم ورقة ضغط؟

لا يعني طرح سيناريو حكومة الأقلية أن آيزنكوت حسم خياره باتجاه تشكيلها، إذ يمكن أن يكون هذا الطرح ورقة ضغط خلال المفاوضات المتعلقة بتشكيل حكومة وحدة وطنية مع نتنياهو. فإظهار إمكانية تشكيل حكومة بديلة، حتى من دون أغلبية تقليدية، يضع نتنياهو أمام احتمال فقدان السلطة إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات مع معسكر التغيير.

لكن خيار حكومة الوحدة يواجه بدورهاعتراضات داخل معسكر آيزنكوت، الذي تشكل على أساس السعي إلى استبدال حكومةنتنياهو. ومن ثم، تتداخل ثلاثة مسارات سياسية: تشكيل حكومة أقلية تعتمد على الدعمالخارجي وامتناع بعض الأحزاب عن التصويت، أو تشكيل حكومة وحدة تجمع أطرافاً منالمعسكرين، أو فشل المفاوضات والاتجاه نحو انتخابات جديدة.

كيف يختار الرئيس الإسرائيلي رئيسالحكومة؟

تبدأ المرحلة الدستورية التالية مع المشاورات التي يجريها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مع رؤساء الكتل البرلمانية،للاستماع إلى توصياتهم بشأن الشخصية التي يرون أنها الأنسب لتشكيل الحكومة.

وبحسب التقرير، تبدأ المشاورات يوم الأربعاء المقبل، وقد تستمر حتى الجمعة، على أن يتخذ الرئيس قراره خلال المهلة القانونيةالمحددة.

وبموجب الإجراءات الدستورية، يكلّف الرئيس أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة، ويحصل المرشح على 28 يوماً لإنجازالمهمة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يوماً إضافية. وإذا فشل، يستطيع الرئيس تكليف عضو كنيست آخر بالمهمة لمدة 28 يوماً، من دون إمكانية التمديد.

وفي حال تعذر تشكيل الحكومة، تبدأ مهلة21 يوماً يمكن خلالها لـ 61 نائباً تقديم طلب خطي إلى الرئيس لتكليف مرشحيختارونه، ويحصل هذا المرشح على 14 يوماً لتشكيل الحكومة. وإذا فشلت هذه المسارات،يُحل الكنيست وتتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة.

ووفق الحسابات التي أوردتها واي نت ،يُتوقع أن يحصل آيزنكوت على توصية 60 نائباً بتكليفه تشكيل الحكومة، حتى في حال عدم توصية حزب يسرائيل بيتنو به، مقابل 46 توصية لنتنياهو، فيما قد يبقى حزب يهدوت هتوراة خارج المعسكرين.

لكن الحصول على عدد أكبر من التوصيات لايعني امتلاك أغلبية برلمانية مستقرة، كما لا يضمن نجاح المرشح في تشكيل الحكومة؛فالتكليف الرئاسي يمنح صاحبه فرصة بدء المفاوضات، بينما يظل الاختبار الحقيقي فيقدرته على تأمين الثقة البرلمانية والتوصل إلى تفاهمات قابلة للاستمرار.

معركة تتجاوز حسابات المقاعد

تكشف محاولة آيزنكوت دراسة تشكيل حكومة أقلية عن طبيعة المأزق السياسي الذي أفرزته الانتخابات الإسرائيلية؛ إذ لم يتمكن أي من المعسكرين من حصد الأغلبية البرلمانية، ما جعل الأحزاب الصغيرة والكتلالعربية والحريدية أطرافاً مؤثرة في مفاوضات تشكيل الحكومة.

واللافت أن السيناريو المطروح لا يقومعلى تحالف سياسي متجانس، وإنما على تفاهمات متباينة المصالح، تجمع بين المشاركة الحكومية والدعم من الخارج والامتناع عن التصويت، في ظل خلافات بشأن التجنيدوالتمثيل الوزاري ورئاسة الكنيست.

وبينما يتيح هذا المسار لآيزنكوت إمكانيةتشكيل حكومة من دون امتلاك 61 مقعداً، فإنه يضعها أمام تحديات تتعلق بقدرتها علىتمرير التشريعات والتوفيق بين مطالب شركائها والحفاظ على تماسكها البرلماني.

لذلك، لا يتمثل الاختبار الحقيقي فيالحصول على تكليف رئاسي أو تجاوز تصويت الثقة فحسب، بل في بناء ائتلاف قادر على إدارة الحكم والاستمرار، وسط تناقضات سياسية وحزبية قد تجعل المفاوضات أكثرتعقيداً من الحسابات العددية نفسها.