شبهات وردود

قبل 7 ساعات


إبراهيم طلحة
ارشيف الكاتب

المحبة لكم جميعًا..

يسألني بعض الأصدقاء اللا دينيين عن مسألة وجود أخطاء نحوية ولغوية في القرآن الكريم، ويرسل لي بعضهم بشبهات للرد عليها من منطلق التخصص، وقد اجتمعت بين يدي منذ فترة مجموعة منها، لعل الوقت يسعفني للكتابة عنها تحت عنوان: تخريج وبيان لبعض آيات القرآن، مثلًا، أو نحوه، والمهم أنّ بيان ذلك كما يلي:

الشبهات:

- رفع المعطوف على المنصوب:

جاء في ( سورة المائدة 5: 69): "إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ". وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم إن فيقول: والصابئين.

- نصب الفاعل:

جاء في (سورة البقرة 2: 124): "لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ". وكان يجب أن يرفع الفاعل فيقول: الظالمون.

- تذكير خبر الاسم المؤنث:

جاء في (سورة الأعراف 7: 56): "إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ". وكان يجب أن يتبع خبر إن اسمها في التأنيث فيقول: قريبة.

- تأنيث العدد وجمع المعدود:

جاء في (سورة الأعراف 7: 160): "وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أأُمَماً". وكان يجب أن يذكر العدد ويأتي بمفرد المعدود فيقول: اثني عشر سبطًا.

- جمع الضمير العائد على المثنى:

جاء في (سورة الحج 22: 19): "هذا نِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ". وكان يجب أن يثنّي الضمير العائد على المثنّى فيقول: خصمان اختصما في ربهما.

- أتى باسم الموصول العائد على الجمع مفردًا:

جاء في (سورة التوبة 9: 69): "وَخُضْتُمْ كَالذِي خَاضُوا"؛ وكان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: خضتم كالذين خاضوا.

- جزم الفعل المعطوف على المنصوب:

جاء في (سورة المنافقون 63: 10): "وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِين" َ وكان يجب أن ينصب الفعل المعطوف على المنصوب فأَصدَّق وأَكون.

- جعل الضمير العائد على المفرد جمعًا:

جاء في (سورة البقرة 2: 17): "مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِممْ". وكان يجب أن يجعل الضمير العائد على المفرد مفرداً فيقول: استوقد... ذهب الله بنوره.

- نصب المعطوف على المرفوع:

جاء في (سورة النساء 4: 162): "لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ووَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً". وكان يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع فيقول: والمقيمون الصلاة.

- نصب المضاف إليه:

جاء في (سورة هود 11: 10): "وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَننِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ". وكان يجب أن يجرَّ المضاف إليه فيقول : بعد ضراءِ.

الردود:

أولًا: قال تعالى في سورة البقرة: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين...) الآية، وقال في سورة المائدة: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون...) الآية، فنصبت (الصابئين) في آية البقرة لأنها اسم (إن) وفي آية المائدة رفعت (الصابئون)؛ لأن واو (والصابئون) للاستئناف فتعرب مبتدأ ويكون خبرها محذوفا تقديره: كذلك الصابئون.

وهذه ظاهرة ملحوظة لدى الخطباء والمحاضرين، وممن عبر عنها من اللغويين المحدثين (فيرث) و(راتكليف) وغيرهما من أصحاب نظريات التنغيم الصوتي أثناء الكلام، الذي يقتضي أن يقف المتكلم مرة على لفظة ويستأنف الكلام من بعدها فكأنه بدأ بجملة اسمية جديدة، بعد النبر والتنغيم، وهذا من باب التنويع في أساليب الخطاب ولا سيما وأن للآيتين مدلولات بلاغية في سياقيهما، فإحداهما اهتمت بأهل الكتاب والأخرى اهتمت بمن عداهم فاقتضى الأمر ما يشبه التخصيص، ونعرف أن التخصيص من أساليب العرب المطردة ولم ينهوا عنه بل ما زالوا يستعملونه في الحديث كاستعمال القدامى له، ومن ذلك قول البردوني:

نحن اليمانين يا طه تطير بنا.... إلى روابي العُلا أرواحُ أنصارِ، والأصل أنه كان ينبغي القول: نحن اليمانون.

ثانيًا: آية (لا ينال عهدي الظالمين): فإن كلمة الظالمين على الأرجح هي مفعول به للفعل ينال، والظالمين مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، وعهدي هي الفاعل، وهو مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة للياء وهي الكسرة، والمعنى لا ينال عهدُ الله الظالمين أي لا يشملهم، فضلًا عن أن الفعل نال من الأفعال المتناوبة أو المتداولة في قلب المعنى، مثله مثل قولنا: دخل الثوب في المسمار أو دخل المسمار في الثوب، وكذلك نال من فلان التعب، ولكنه نال الجائزة، فهو منول منه وهو نائل...

ثالثًا: آية (إن رحمة الله قريب من المحسنين) هذه الآية جاءت على لغة من لغات العرب في تجويز التذكير والتأنيث في بعض الألفاظ، ولا سيما المؤنث المجازي بصفة خاصة، وهذه أيضًا ظاهرة معروفة عندما ننظر إلى بعض اللهجات المحلية كلهجة الحجرية بتعز، يقال: هذي المرة الأول، المرة الثاني، بمعنى المرة الأولى، والمرة الثانية، وقد ورد عند أبي منصور الجواليقي في كتابه (المعرَّب والدخيل) أن صيغة فعيل وفعول مما يطرد تذكيره وتأنيثه، كقولهم: رجل طريد وامرأة طريد، ورجل جريح وامرأة جريح، ورجل ودود وامرأة ودود، ونحو ذلك، فهذه ظاهرة مطردة.

رابعًا: آية (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا أممًا) هنا قياسها على أصل ما بعدها، وهي أمم ومفردها أمة، فكأنما قال: وقطعناهم أممًا عددها اثنتا عشرة أمة.

خامسًا: آية (هذان خصمان اختصموا في ربهم) احتج بعضهم بأن "الخصم" صفة يوصف بها الفوج، أو الفريق، أو الطرف المكون من عدة أعضاء في المجموعة؛ فكأنه قال: هذان فوجان أو فريقان أو طرفان يختصمان، فقوله: "هذان" إشارة للفظ، و قوله: "اختصموا" إشارة للمعنى؛ ومثلها: "كلتا الجنتين آتت أكلها"، يجوز بعد كِلا وكِلتا الإفراد أو التثنية قياسًا على اللفظ أو المعنى، فنقول: كلتا الطالبتين حضرت، وكلتا الطالبتين حضرتا، ورد كثيرًا لدى العرب.

سادسًا: آية (وخضتم كالذي خاضوا) هي معناها في الأصل: خضتم حديثًا لغوًا كالحديث اللغو الذي خاضوه، فالموصول للحديث، وهو مفرد، لا للخائضين، وإن سلَّمنا افتراضًا بالرأي الثاني القائل: كالذين خاضوا، فإن الذي هنا موصول على أصل الوضع الأول، مثله مثل قولنا اليوم في العامية: الأستاذ اللي درسني، البنت اللي درستها، الولد اللي درسته، الكتاب اللي ندرسه، الكتب اللي ندرسها، الجامعات اللي ندرس فيها، فللاسم الموصول دلالة مبنية على الأصل ودلالة مبنية على الوضع المستجد للفظ في سياق الجُملة، ودلالة مبنية على المعنى، وهكذا.

سابعًا: آية (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فأصّدّق وأكن من الصّالحين) فيها قراءتان: قراءة على لغة نصب "فأصدق" على جواب التمني بالفاء، و"أكون" عطف على "فأصدق" وهذه توافق رأي بعضهم في وجوب نصب وأكون، وقراءة حفص عن عاصم التي نقرأ بها نحن على الأشهر إنما جاءت "وأكن" بالجزم عطفًا على موضع الفاء؛ لأن موضعها الأصلي الجزم (فعل شرط وجوابه) حيث إن قوله: "فأصدَّق" لو لم تكن الفاء موجودة لكان مجزومًا، فجزمها هنا هو من باب التوسع.

ثامنًا: آية (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ...) الآية، فيها التفات من المفرد إلى الجمع، فالضمير المفرد يتناوب كثيرًا مع الجمع، ومن أمثلة ذلك: قولي في المسألة، وقولنا في المسألة، قد يكون القائل واحدًا ويعبِّر بصيغة ضمير الجمع، ومثل ذلك: "إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون"، والأصل: إنما أمري؛ لأن المتكلم هو الله تعالى، ونحن أيضًا نستعمل مثل هذا الكلام كثيرًا في أحاديثنا، فقد تقول لصديقك: اطلب منّي أي خدمة، نحن حاضرون، فتلتفت من المفرد إلى الجمع. ثم إن المثل للواحد ويصح أن تخاطب به كل النماذج المشابهة، أي، واحد يراد به الجميع، فيصح الالتفات والانتقال بوجود القرائن والدلائل.

تاسعًا: آية (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة...)... الآية، جاءت هنا كلمة والمقيمين منصوبة على الاختصاص، مثلها مثل ما ذكرنا بشأن: نحن اليمانين، والأصل: نحن اليمانون، فنصبت على تقدير أخص اليمانين، أخص المقيمين الصلاة؛ لأهمية اللفت إلى الذات اليمنية، ولأهمية الصلاة في الآية، وهكذا.

عاشرًا: آية (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته)، من قال إن الكلمة يجب أن تجر بعلامة جر هي الكسرة؟! أليست كلمة ممنوعة من الصرف؟! بل إن كلمة (ضراء) ممنوعة من الصرف دائمًا؛ لأنها مختومة بألف التأنيث الممدودة، وهي سبب وجيه ومعلوم وكافٍ ووافٍ وحده في المنع من الصرف، وأمثالها كثير.

والله تعالى أعلى وأعلم.

د. إبراهيم طلحة.