قرأت لكم
قراءة في كتاب «أصالة الأغنية العربية بين اليمن والخليج» وأهمية توثيق التراث وحماية حقوق مبدعيه
ليست الأغنية مجرد كلمات تُردد أو ألحان تطرب لها الأسماع، بل هي ذاكرة شعب وسجل حضاري يحفظ تاريخ الإنسان ومشاعره وأفراحه وأحزانه ونضالاته. وحين نتحدث عن الأغنية اليمنية فإننا نتحدث عن تراث عريق تجاوز حدود الجغرافيا، وعبر البحار والوديان، واستقر في وجدان شعوب عربية عديدة، وفي مقدمتها شعوب الخليج العربي، حتى أصبحت بعض ألحانه جزءًا من ذاكرتها الفنية، بينما غابت عن ذاكرة المستمع أسماء عدد من شعرائها وملحنيها ومبدعيها الأوائل.
وفي رحلتنا اليوم مع التراث، اخترت لكم قراءة في كتاب جميل ومنصف بعنوان «أصالة الأغنية العربية بين اليمن والخليج» للدكتور نزار محمد غانم وخالد محمد القاسمي، الصادر في طبعته الأولى عام 1991م، وهو من الدراسات التي تستحق الوقوف عندها لما تتضمنه من شواهد تاريخية وفنية على الروابط الغنائية بين اليمن والخليج، ولما تثيره من أسئلة مهمة حول أصول الأغاني وانتقالها ونسبتها إلى أصحابها.
وفي الفصل الثاني، المعنون «الأصول المشتركة في الجذور الغنائية بين اليمن والخليج»، يعود المؤلفان إلى التاريخ والجغرافيا والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي ربطت اليمن بالخليج منذ قرون، ويبينان كيف أسهمت الهجرات والتجارة وحركة البحارة وانتقال السكان في تداول الشعر والألحان والعادات والتقاليد، قبل ظهور الإذاعات والأسطوانات ووسائل التسجيل الحديثة.
ولم تكن الأغنية اليمنية حبيسة بيئتها، بل انتقلت بألوانها الصنعانية والحضرمية واللحجية واليافعية والتهامية إلى مجتمعات الخليج، حيث وجد بعضها أصواتًا جديدة أعادت أداءه ونشره. وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب، إذ لم يكتفِ مؤلفاه بالحديث عن التشابه الفني، بل قدما نماذج وجداول تتضمن أسماء الأغاني وشعرائها وملحنيها ومؤديها في اليمن والخليج.
ففي الغناء الصنعاني يتوقف المؤلفان عند أصالة هذا اللون وما يحمله من قصائد حمينية وألحان متوارثة، ويشيران إلى حضوره في البيئة الخليجية، ومن النماذج التي يعرضها الفصل قصيدتا «يا بروحي» و«رسولي قوم بلغ لي إشارة». كما يناقشان دور الفنان الكويتي شادي الخليج، عبدالعزيز المفرج، وغيره من الفنانين الذين تعاملوا مع الألوان اليمنية، وهو ما يفتح باب المقارنة بين الأداء الصنعاني القديم وإعادة تقديمه في الخليج.
أما الأغنية اللحجية فقد حظيت باهتمام واضح، وأورد المؤلفان نماذج محددة من انتقالها إلى الأصوات الخليجية. ومن ذلك أغنية «غزلان في الوادي» المرتبطة بتراث الأمير الشاعر والملحن أحمد فضل القمندان، والتي عُرفت في اليمن بصوت الفنان أحمد يوسف الزبيدي، ثم أعاد أداءها الفنان البحريني إبراهيم حبيب.
كما يوردان أغنية «سألت العين»، التي ينسب الجدول لحنها وأداءها اليمني إلى الفنان محمد صالح حمدون، وقد أعادت تقديمها الفنانة الإماراتية موزة سعيد، وأغنية «يا منيتي يا سلا خاطري» التي ارتبطت بالفنان اليمني طه فارع، ثم غناها الفنان الكويتي عبدالمحسن المهنا.
ويتوقف الكتاب أيضًا عند نماذج من الألحان اللحجية التي انتقلت إلى أصوات خليجية، وعند دور الفنانين الكويتيين إبراهيم الصولة وأحمد باقر وغيرهما في تقديم أعمال متصلة بالتراث اليمني، فضلًا عن حضور الأغنية اللحجية في البحرين والكويت والإمارات.
وهذه النماذج ليست مجرد أسماء عابرة، بل شواهد فنية تستحق أن تُدرس أغنيةً أغنية، لمعرفة صاحب النص وملحنه وأول من أداه، ثم الفنان الذي أعاد تقديمه، وما طرأ عليه من تغيير في اللحن أو الإيقاع أو طريقة الأداء.
ومن هنا تبرز المكانة الكبيرة للأمير أحمد فضل القمندان، الذي لم يكن شاعرًا غنائيًا فحسب، بل أحد أبرز المجددين في تاريخ الأغنية اليمنية. فقد أسهم في تطوير الأغنية اللحجية، ومنحها شخصية فنية متميزة، وجمع بين جمال القصيدة وثراء اللحن، حتى أصبحت مدرسته من أهم المدارس التي امتد أثرها إلى خارج اليمن.
ولا يقل عن ذلك أهمية الدور الذي أداه الفنان الكبير محمد مرشد ناجي، المرشدي، الذي جمع بين الأداء والبحث في التراث والتجديد الفني، وأسهم في إحياء ألوان من الغناء اليمني والمحافظة على أصالتها. وقد ارتبط اسمه بأغانٍ عاطفية ووطنية شكلت جانبًا مهمًا من الذاكرة اليمنية، وكان من الفنانين الذين أدركوا أن تطوير الأغنية لا يعني قطع صلتها بجذورها.
كما يبرز في تاريخ التجديد الغنائي اليمني الفنان أحمد قاسم، الذي أسهم في تطوير البناء الموسيقي للأغنية، والفنان محمد سعد عبدالله بما قدمه من أعمال وألحان أثرت الغناء اليمني، إلى جانب الفنان فضل محمد اللحجي وغيره من المبدعين الذين ساهموا في تشكيل المدارس الغنائية الحديثة.
أما الأغنية الحضرمية، فقد وجدت في الخليج امتدادًا طبيعيًا بفعل العلاقات التاريخية والهجرات والتواصل الاجتماعي. ويبرز في هذا السياق الفنان محمد جمعة خان، ثم الشاعر والملحن الكبير حسين أبو بكر المحضار، الذي استطاع أن يمنح القصيدة الحضرمية روحًا متجددة، وأن يقدم ألحانًا امتازت بعذوبتها وصدق تعبيرها.
وقد كان للفنان أبي بكر سالم بلفقيه دور استثنائي في حمل أشعار المحضار وألحانه إلى جمهور عربي واسع، حتى أصبح هذا الثنائي من أبرز علامات انتشار الأغنية الحضرمية واليمنية في الخليج والعالم العربي.
وامتد هذا الحضور إلى أجيال لاحقة، فقدم الفنان الكويتي عبدالله الرويشد أغنية «باتبع قلبي» من كلمات وألحان حسين المحضار، كما ارتبط اسم الملحن الكويتي راشد الخضر بأغنية «عويشق» من كلمات المحضار، وهما نموذجان للتعاون الفني الذي انتقلت من خلاله القصيدة اليمنية إلى الغناء الخليجي، مع ضرورة التمييز بين إعادة أداء لحن يمني قديم وتلحين قصيدة يمنية بلحن جديد.
وعند الحديث عن انتقال الألحان والقصائد بين اليمن والخليج، تحضر أسماء فنية كبيرة مثل الفنان البحريني محمد بن فارس، والكويتي عوض دوخي، والسعوديين طلال مداح ومحمد عبده، الذين ارتبطت تجاربهم بفن الصوت والقصائد الخ