أكثر ما يفسد المبدع ويشوِّش على عمل الناقد هم الجمهور، إغراق المبدع بعبارات مثل رائع وأبدعت وصح لسانك، تجعل صوت الناقد وحيداً في مواجهة جمهور يجهل طبيعة الفن والأدب، حتى المبدع نفسه يتأثر بصوت الغوغاء ويخضع لإغراءات التفوق والكمال، فيتعالى على الناقد مستندا على جمهور كبير من المتذوّقين البسطاء. عندما تستمع إلى شاعر كبير يلقي قصيدة تجد البيت الركيك هو الذي يشد الجمهور فيهتف للشاعر (أعد) مطالباً بإعادة قراءة البيت، وذلك يربك الشاعر نفسه فيتساءل في نفسه ما هو الجميل في البيت وما هو معيار الجمال عند المتلقي، ثم نجده في المناسبة التالية يكثر من تلك الأبيات الركيكة لأنها هي التي تلقى تصفيقاً أكبر وأقوى.
أما فيما يتعلق بالفن التشكيلي فنجد أن الصور المنسوخة لبيوت القرية أو دار الحجر أو شيوخ وأزقة صنعاء القديمة نجد أن تلك الصور المستنسخة هي التي تجذب الجمهور وتنال إعجابه مما يغري الرسام في نسخ صورة أكبر للمدينة كلها فيلقى تصفيقا أكبر. لكن تلك الأعمال تسقط عندما تخرج خارج البلد وتعرض أمام جمهور متذوق لا ينساق وراء العاطفة ولا يتعصب لشاعر أو رسام لأنه ابن مدينته، بل إن المبدع نفسه لا يجرؤ أن يسوِّق لتلك الأعمال خارج اليمن لأنه يعرف قيمتها الفنية ويعرف أنها أُنتِجت لأغراض وقتية لا علاقة لها بالفن والإبداع.