أدبٌ يولد في العتمة، ونصوصٌ تخشى أن ترى النور
هناك أجيالٌ تعرف الحروب من الكتب، تحفظ أسماء المعارك كما تحفظ تواريخ الملوك، وتستعيد الخرائط التي تغيّرت ثم مضت بها السنوات. وهناك جيلٌ آخر لم يحتج إلى كتابٍ كي يعرف الحرب؛ عرفها من رائحة بيتٍ أُغلق على عجل، ومن أمٍّ خفضت صوتها حين اقترب الحديث من الخوف، ومن نافذةٍ بقيت موصدةً زمناً طويلاً، ومن هاتفٍ احتفظ برسالةٍ لم يجرؤ صاحبها على إرسالها.
ينتمي قطاعٌ واسع من الشباب اليمني إلى هذا الجيل. جيلٌ لم تمرّ الحرب أمامه في صفحات التاريخ، وإنما عبرت من حياته نفسها؛ جلست إلى جواره في مقعد الدراسة، قطعت الطريق إلى الجامعة، دخلت البيوت من شقوق الأبواب، وتركت في ذاكرة الناس أسماء أصدقاء غادروا ولم يعودوا، وأماكن كانت مألوفة ثم صارت عصيةً على الوصول.
وحين يصبح القلق جزءاً من الحياة اليومية، فإنه لا يبقى شعوراً عابراً يمكن للإنسان أن يخلعه عند باب البيت. يتسلل إلى اللغة، إلى طريقة النظر، إلى الذاكرة، إلى الحب، وإلى صورة المستقبل. ومن هذه المنطقة الملتبسة ولدت كتابةٌ يمنية شابة تحمل الحرب في داخلها، حتى حين لا تتحدث عنها صراحة. قد لا تظهر البندقية في السطر، ولا تُسمّى الجبهة، ولا يُذكر الانفجار، لكن شيئاً من ذلك كله يبقى كامناً في ارتجافة الشخصية، وفي مدينةٍ فقدت طمأنينتها، وفي حلمٍ يتأجل مرةً بعد أخرى، وفي غدٍ لم يعد وعداً بقدر ما صار احتمالاً.
لهذا تبدو عبارة «الكتابة بمداد القلق» أكثر من استعارة. فهي محاولة لالتقاط مزاج جيلٍ وجد نفسه في قلب تحولاتٍ عاصفة، يتنازعها الخوف والحنين، الفقد والرغبة في النجاة، والانتماء إلى وطنٍ يتشظى أمام عينيه والرغبة في الهرب من ثقل هذا الوطن.
قلقٌ لا ينتمي إلى الكاتب وحده؛ قلقٌ تسلل إلى وعي جيلٍ كامل، وأعاد ترتيب علاقته بالمكان والزمن والآخرين، وبفكرة المستقبل نفسها.
في البلاد التي تطول فيها الحروب، تتغير علاقة الإنسان بالكلمات. تصير الجملة أكثر حذراً، وتكتسب الصمت دلالاتٍ جديدة، وتصبح القصيدة أحياناً أقرب إلى اعترافٍ مؤجل. الكاتب لا يحمل تجربته كما هي إلى الورق؛ يحمل معها ما يخشاه منها، وما قد يترتب على قولها، ومن يمكن أن يقرأها، ومن قد يسيء فهمها، وأي بابٍ ستطرقه بعد أن تغادر يده.
وهنا تنشأ تلك اللغة التي تمشي على حافة المعنى. الرمز هنا ليس ترفاً جمالياً، والاستعارة ليست بحثاً عن الزخرف؛ قد تكون في بعض النصوص وسيلةً للبقاء. حين يصبح التصريح محفوفاً بالكلفة، تبحث الحكاية عن قناعها. وحين يتعذر ذكر الاسم، تتقدم الصورة. وحين تضيق مساحة الكلام المباشر، تنفتح القصة على احتمالاتها الخفية. قد يكتب الشاب عن أبٍ وابنه، فيما تكمن خلف العلاقة حكاية سلطةٍ أكبر؛ وقد يكتب عن حبٍ متعثر، فيما يستبطن النص سؤال الحرية؛ وقد يكتب عن مدينةٍ غادرتها الحياة، وهو في الحقيقة يرثي وطناً بأكمله.
ولأن المؤسسات الثقافية لم تعد قادرةً دائماً على احتضان هذا الحراك، وجد كثير من الكتاب الشباب فضاءهم في الأماكن التي صنعتها التكنولوجيا. صار الهاتف مجلةً صغيرة، ومنبراً شخصياً، ومقهى أدبياً متنقلاً. انتقلت القصائد عبر واتساب، وتجاورت النصوص في صفحات فيسبوك، وتشكّلت مجموعات للقراءة والكتابة خارج الأطر التقليدية. لم ينتظر هؤلاء أن تستعيد الثقافة مؤسساتها عافيتها كي يبدأوا؛ أخذوا من الوسائل المتاحة ما يكفي لصنع نافذة.
وتكشف تجربة مؤسسة «رموز» مع الكتاب الشباب عن حجم هذه الرغبة الكامنة في الكتابة. ففي عام 2019 تلقت دعوة المؤسسة إلى ورشة للكتابة الإبداعية أكثر من 500 طلب، اختير من بينها 11 متدرباً عبر لجنة تحكيم مستقلة من الوسط الأدبي، وانتهت التجربة إلى كتاب «صراع»، ثمرةً لورشة في كتابة القصة أشرف عليها الروائي وجدي الأهدل. على سبيل المثال، في إحدى قصص الإصدار، بعنوان «في قريتنا جحيم» لنور الدين الشرِجي، القادم من قرية نائية في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، يتحول عالقٌ في منزله إلى شاهدٍ على عبث الحرب، قبل أن يقوده المصير إلى ملجأ يضم مئات النازحين.
القيمة الأعمق لهذه التجارب لا تقاس بعدد الطلبات أو المشاركين، وإنما بما تكشفه من حاجةٍ ملحّة لدى جيلٍ يريد أن يحوّل ما عاشه إلى لغة. فالإنسان حين يكتب تجربته يستعيد، ولو جزئياً، حقه في تفسيرها. والكاتب الشاب الذي يضع خوفه على الورق لا يتخلص منه بالضرورة، لكنه يمنحه شكلاً يمكن النظر إليه.
ومع ذلك، سيكون من الظلم أن تُحبس الكتابة اليمنية الجديدة داخل مصطلح «أدب الحرب». فالحرب، مهما اتسعت، لا تستوعب الحياة كلها. ثمة حبٌ يولد في زمنها، وطفولةٌ تحاول أن تتذكر نفسها، ونساءٌ يواجهن أشكالاً متعددة من السلطة، ومدنٌ لها رائحةٌ وذاكرة، وعلاقات أسرية تتبدل، وأحلام شخصية تقاوم الانطفاء. الكاتب لا يريد أن يكون شاهداً على القتال فقط؛ يريد أن يستعيد الإنسان الذي تختزله الأخبار عادةً في رقمٍ أو صورةٍ عابرة.
لكن الحرب تظل حاضرة حتى في المواضع التي لا تذكرها. إنها تغيّر معنى الأشياء من الداخل. تجعل الرحيل أكثر من سفر، والبيت أكثر من جدران، والحب أكثر من علاقة، والمدينة أكثر من مكان. تضع وراء كل حلم احتمال الفقد، وتترك في الذاكرة ظلالاً لا تظهر إلا حين يظن المرء أنه نجا.
ومن أكثر ما يكشف هذا التحول مشروع «في بلاد النوافذ المحطمة»، الذي جمع أصواتاً شعرية شابة من مناطق مختلفة في اليمن، وجعل من التكنولوجيا وسيلةً للقاء حين تعذر اللقاء. عبرت القصائد في تسجيلات صوتية على واتساب، وتجاورت أصوات شعراء وشاعرات من جغرافيا فرقتها الحرب، فيما ظلت اللغة قادرةً على وصل ما عجزت الطرق عن وصله.
كان الشعر، في تلك التجربة، أشبه بجسرٍ دقيق فوق هاوية واسعة. صوتٌ من حضرموت يصل إلى مكانٍ آخر، وقصيدةٌ تسافر حيث تعجز الأجساد عن السفر، وشاعرٌ يسمع صوت شاعرٍ آخر دون أن يلتقيه. وفي بلدٍ أنهكته الجغرافيا السياسية للحرب، بدا الأدب كأنه يحاول، بطريقته الخاصة، استعادة شيءٍ من الجغرافيا الإنسانية.
ولعل «النوافذ المحطمة» ليست صور